طلب العلم : من كتابات سماحة حجة الاسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر

عدد المشاهدات : 10886

 

 

المكتب الخاص/ كتابات سماحة السيد مقتدى الصدر

من كتاب (حديث في فضل العلم لسماحته) :ـ

طلب العلم 

 

ليس المراد من هذه الفقرة إثبات فضل العلم، فهذا ما قد ثبت في ما سبق من البحث، وتبين إن العلم والإيمان مطلوبان ولا يراد افتراقهما، غاية الأمر إن العلم مقدم على الإيمان أم أن الإيمان مقدم على العلم؟ وقد تحصّل مما سبق لا بدية اجتماعهما، وعليه سوف ينعكس الانفصال بينهم على درجات الكمال حتى الوصول إلى درجات التسافل في بعض الأحيان -لا سمح الله- وخاصة في مثل المرتبة الأخيرة وهي اجتماع الجهل وعدم الإيمان أو أشد من ذلك.

بل المراد إثباته هنا هو مقدار محبوبية العلم. فإن زادت فإنه قد يكون واجباً وإن قَلَّت فقد يكون مستحباً،

 في ضوء ذلك يمكن طرح السؤال الآتي: هل أن العلم مطلوب لنفسه أم لغيره؟ فهذا ما سنبتدئ الحديث به ومن ثم نخوض بأمور متعلقة بطلب العلم.

أما مطلوبية العلم، فأقول للتقريب والتمثيل: إن مطلوبية العلم كمطلوبية الوضوء، فإنه مطلوب لإقامة الفرائض تارة، وأخرى لذاته حتى ورد: (الوضوء على الوضوء نور على نور) .

ومما سمعته عن بعض أهل العلم والأخلاق، إن فضل الوضوء أخلاقياً أكثر من فضل بعض العبادات الأخرى وان كان مقدمة لها... ومما لا يخفى على القارئ العزيز، إن الوضوء فقهياً مطلوب في حدّ ذاته، وليس فقط يكون رافعاً للحدث أو مقدمة للعبادات.

فكذا العلم فهو تارة يكون مقدمة لأمور ضرورية كالتفقه في الدين وتعلم بعض العلوم الأخرى كالطب أو غيرها من العلوم التي قد يستفاد منها الشخص في حياته اليومية، لكن قد يكون مطلوباً في نفسه وهو الغالب، ويمكننا القول أيضاً: العلم على العلم نور على نور، فكما قال تعالى في محكم كتابه العزيز: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، وحتى في حال كونه مقدمة فهو المقدم.

ولا يخفى أن العلم هو المعرفة بالأشياء والإحاطة بها أما إجمالاً فهو العلم الإجمالي سواء كان المراد بالإجمال البساطة أو الإبهام  وإمّا تفصيلاً فهو العلم التفصيلي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ما يقابل العلم هو الجهل، وبما أن العلم مطلوب فيكون الجهل غير مطلوب بل منهي عنه، وإذا أردنا الخوض في غمار الروايات التي وردت في محبوبية العلم ومطلوبيته فهي واردة بلسانين:

الأول: ما ورد بلسان العقل والجهل، وهي كثيرة نذكر منها إثنين:

الأولى: عن احمد بن إدريس عن محمد بن حسان عن أبي محمد الرازي عن سيف بن عمير عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (  ع  ): من كان عاقلاً كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة.

الثانية: ما ورد: ( أن الله خلق العقل فقال له: اقبل فاقبل، وقال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت شيئا أحسن منك أو أحب إلي منك بك آخذ وبك أعطي.

الثاني: ما ورد بلسان العلم، وهو على أبواب وأقسام، ولتوخي الاختصار نذكر منها روايتين فقط:

الأولى: قال أبو عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا وان الله يحب بغاة العلم)). وبغاة العلم هم طالبوه، وهو نصّ بمحبوبية طلب العلم.

الثانية: عن علي بن محمد وغيره عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى عن احمد بن محمد ابن عيسى جميعا عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي حمزة عن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: ((أيها الناس اعلموا إن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه وسَيَفي لكم والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه)).

وهذه الرواية نصّ على أن الدين يَكمُل بالعلم ، وإلا فهو غير كامل، كما هو واضح، إلا أن فيها أفعل التفضيل: (أوجب) وهو متعدٍ بـ (من) أي إن طلب العلم أكثر وجوباً من طلب المال، إلا أن المال لا يطلب بذاته أكيداً، والعلم يطلب بذاته أكيداً، وكما قال سيد الأوصياء: العلم حاكم والمال محكوم عليه.

استناداً لذلك يمكن القول إننا أثبتنا محبوبية العلم ومطلوبيته لنفسه تارة ولغيره أخرى، لكن بقي علينا النقاش في مقدار محبوبيته وهل هو واجب أم أقل من ذلك؟ والمفروض أن الفرق واضح بين الوجوب وغيره في درجات المطلوبية الشرعية، إلا إننا يمكننا أن نفَّصِل ذلك فنقول: إن كلّ فعل محبوب من قبل الشارع المقدس فهو مطلوب إلا أن هذا الطلب على درجات ومستويات، فإن كان مطلوباً فِعْله غير جائز تركه، لكثرة محبوبيته وازدياد مبغوضية تركه، فهو: (الواجب) وحكمه الوجوب، وأما إذا كان محبوباً مع إمكان تركه لتناقص محبوبيته أو لقلة مبغوضية تركه فيكون (المستحب) وحكمه الاستحباب.

فإن ازدياد الطلب والإرادة الإلهية لفعل الشيء هي المؤثر الأول والأهم في وجوب الفعل وعدمه، فهل (طلب العلم) محبوب ومطلوب ومراد من الله بحيث لا يمكن تركه فيكون: (واجباً) أو يمكن تركه فيكون: (مستحباً)؟ وهذا التفصيل في وجوبه أو استحبابه بنفسه، لا كونه مقدمة لغيره، فإن المقدمة تتبع ذا المقدمة فإذا كان مقدمة لواجب يكون واجباً وإن كان مقدمة لمستحب كان مستحباً، وقد يكون مقدمة لحرام فيحرم.

يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالصيغة التالية: إن هناك جامعاً بين الوجوب والمستحب، ألا وهو (المطلوبية) فالواجب مطلوب والاستحباب مطلوب أيضاً من الشارع المقدّس، وفي حال شككنا في هذه المطلوبية أهي على نحو الوجوب أم الاستحباب ؟ بغض النظر عن الأدلة المحرزة يمكننا أن نقول: إن حق الطاعة أو قل حق طاعة الشارع ينتج عدم جواز ترك الطلب، فإن من حق الشارع علينا طاعته، وإذا ترك المكلف طلب العلم فقد أخلّ بهذا الحق وهو طاعة الشارع، أما إذا قام المكلف بطلب العلم فقد أطاع الشارع وأتى بحق الشارع عليه وهو طاعته.

لكن بالرجوع إلى الروايات، نجد أن مفادها الوجوب، فقد ورد في بعضها كلمة: (فريضة) وهي تعني الوجوب بطبيعة الحال. لكن الروايات ساكتة عن كمية العلم -لو صح التعبير- فكل ما ينطبق عليه علم (عرفاً) يمكن القول بأنه مجز، إلا أن التكامل بالعلوم والتعلّم أمر راجح ومطلوب أيضاً، لكن لا قائل بوجوبه، غاية الأمر أنه مستحب.

فإن قيل: إن ما ورد في الروايات من دخول الجنة للعالم كما في الرواية الأولى وان الله يحب بغاة العلم كما في الحديث وكذا كمال الدين بطلب العلم، إنما هي أمور ترغيبية وتكميلية لا يستفاد منها الوجوب.

قلنا: إن هذا الإشكال مدفوع من عدة وجوه:

الوجه الأول: ما ورد في أكثر من رواية، إن طلب العلم فريضة، وهو معنى الوجوب.

الوجه الثاني: لو سلّمنا أن بعض الأمور ترد للترغيب بالعمل لا للوجوب، فما ذُكر ليس منها، بل هو للدلالة على الوجوب، فدخول الجنة أو مقدماته واجب علينا، كما قال تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

مع إن الدخول إلى الجنة جاء في الآية على نحو الترغيب وأن عرضها كعرض السماء والأرض ، لكن المطلوب هو الوجوب كما لا يخفى .

الوجه الثالث: يمكن أن يكون هذا الإشكال صحيحاً لو لم تكن هناك روايات ناهية عن ترك العلم وذم الجهل، كما ورد في الحديث: لا فقر أشد من الجهل، أو ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): إن قلوب الجهّال تستفزها الأطماع وترتهنها المنى وتستعلقها الخداع).

فإن علمنا أن طلب العلم محبوب مرغوب مطلوب من الله جل وعلا، وأن الجهل الذي هو نتيجة طبيعية لترك العلم منهي عنه مذموم منبوذ من اتصف به، بل من كان الجهل سلاحه لا يكون محصناً من الآثام ، ينتج عندنا أن (طلب العلم) واجب حتى وان لم يصرّح به، فبطريق أولى لو نصّ على ذلك. فافهم وتدبر.



المزيد من كتابات سماحة السيد
العراق في خطر.. أستحلفكم بالله أستحلفكم بدماء الشهداء أستحلفكم بصرخات الثكالى أستحلفكم بآهات الأسرى أستحلفكم ببكاء الأطفال أستحلفكم بتراب العراق أستحلفكم بمقدسات العراق أستحلفكم بآلام الفقراء أستحلفكم بأنين الجوعى أستحلفكم بأوجاع العمال أستحلفكم بحنين الأمهات أستحلفكم بشرف
 ليس من المعيب أن ندقق بتاريخنا أو نفتخر به، إلا أن من المعيب التركيز على الماضي ونسيان المستقبل. نعم، إن التوكل على الله يعطيك الأمل بمستقبل
يتساءل البعض، ويقول: إن وصول الفاسدين والوجوه القديمة مؤكد سواء انتخبنا أم لم ننتخب. إسمع جوابي: وهو على عدة مستويات: المستوى الأول: إن انتخبتم فهذا يعني حبكم
كما تختار شريكة حياتك (زوجتك) التي تهواها أو كما تختارين من يهواه قلبكوكما تختارون بدقة منزلكم الذي تسكنون به بكل دقةوكما تختارون طعامكم من الأسواق
إن تحالفنا مع الحشد، قلتم: تحالف مع المليشيات الوقحة وان تركنا التحالف معه، قلتم: نسى المجاهدين إن تحالفنا مع الشيعة، قلتم: طائفي.. وان تركناذلك قلتم معادي إن