جوهر الاستدلال الذي استدل به ابراهيم (ع) بطلان الوهية القمر

عدد المشاهدات : 13302

 

المكتب الخاص/ كتابات سماحة حجة الاسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر

من كتاب منهج العقيدة لسماحته :ـ

 

 

استدل إبراهيم(ع) على أن أفول القمر دليل على انه لا يمكن أن يكون ربّاً في قوله تعالى {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}   ، ما جوهر هذا الاستدلال؟ 

بسمه تعالى: يمكن أن نستنتج بعض الأمور من مجموع الآيات التي سبقت هذه الآية والتي أوردتها في السؤال، فإن إبراهيم(ع) كان يعيش في صغره في وسط مجتمع يعبد الأصنام من جهة ويعبد الشمس والقمر من جهة أخرى، أو قل يعبد الأجرام السماوية التي تظهر لهم في السماء، إلاّ أنه(ع) كان له رأي آخر يخالف رأي قومه ورأي أبيه (آزر)، وكان يؤمن بالله والواحد القهار إيماناً قد لا يستطيع معه محاججة أهل بلدته، فلذا كان من اللطف الإلهي تحصين (المرسل) بلغة قومه وتزويده ببعض العلوم التي يستطيع معها اكمال رسالته على أتم وجه.

وبما أن قومه كانوا يعبدون الأجرام السماوية محتجين بنورها وفوائدها وكبرها وعلوها، وغيرها من الصفات التي قد يسندوها لإلههم آنذاك، فقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ   نُرِي   إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ   السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}، وخصوصاً إذا التفتنا إلى صغر سنه(ع) من جهة وكثرة ما يتعرض له قومه من جهة أخرى، فلذلك كان اللطف الإلهي بان التفت إبراهيم(ع) إلى الأجرام السماوية التي تمثل المعبود الأكثر آن ذاك، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنه(ع) كان على يقين بأن الله لا يحجب عن خلقه من جهة، وإنه واحد لا شريك له من جهة أخرى، مضافاً إلى صفات أخرى،كالتغيير والزوال.

وبتعبير آخر: إنّ خليل الله كان على يقين بان الافول لا يسند إلى الله جلّ جلاله، فإنّ الأفول من صفات الحادث، والحادث له بداية وله نهاية، وإنّ الله لا يمكن أن تستند له مثل هذه الصفات الغير ربوبية.

لذا فإنه بمجرد أفول النجم ومن ثم القمر ومن ثم الشمس تيقن أنها مخلوقة حادثة، وإن خلفها يقف خالق عظيم قدّرها وأحسن تقديرها، قال تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ** وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ** لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.

كل هذه المعلومات الخافية على غيره من أفراد قومه كانت حاضرة في ذهن نبي الله إبراهيم(ع)، لذا فإن الأفول كان مقدمة ليقينه بوجود خالق، لذا قال(ع): {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ** وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، فهذه الآيات تدل على زيادة يقينه من جهة، وصلابة موقفه من جهة أخرى، أعني صلابته وقدرته على محاججة قومه، فما عاد يتجنبهم من هذه الناحية.

فنعلم مما تقدم أن جوهر الاستدلال: هو أن كل حادث لا يمكن أن تستند إليه الربوبية، أو قل: إنّ كل زائل فهو حادث وكل حادث يحتاج إلى محدث، وهذا إن أُسند إلى الله فيلزم منه التسلسل الباطل، فلابد إلى أن نصل إلى رب الأرباب الذي لا يحتاج إلى غيره جلّ جلاله، وهذا هو الله فاطر السماوات والأرض. ثم إن ابراهيم(ع) لم يجعل هذا دليل لنفسه وزيادة في معتقده، بل جعله دليل لقومه على إبطال دعواهم، وهو مقتضى المحاجة.


المزيد من كتابات سماحة السيد
العراق في خطر.. أستحلفكم بالله أستحلفكم بدماء الشهداء أستحلفكم بصرخات الثكالى أستحلفكم بآهات الأسرى أستحلفكم ببكاء الأطفال أستحلفكم بتراب العراق أستحلفكم بمقدسات العراق أستحلفكم بآلام الفقراء أستحلفكم بأنين الجوعى أستحلفكم بأوجاع العمال أستحلفكم بحنين الأمهات أستحلفكم بشرف
 ليس من المعيب أن ندقق بتاريخنا أو نفتخر به، إلا أن من المعيب التركيز على الماضي ونسيان المستقبل. نعم، إن التوكل على الله يعطيك الأمل بمستقبل
يتساءل البعض، ويقول: إن وصول الفاسدين والوجوه القديمة مؤكد سواء انتخبنا أم لم ننتخب. إسمع جوابي: وهو على عدة مستويات: المستوى الأول: إن انتخبتم فهذا يعني حبكم
كما تختار شريكة حياتك (زوجتك) التي تهواها أو كما تختارين من يهواه قلبكوكما تختارون بدقة منزلكم الذي تسكنون به بكل دقةوكما تختارون طعامكم من الأسواق
إن تحالفنا مع الحشد، قلتم: تحالف مع المليشيات الوقحة وان تركنا التحالف معه، قلتم: نسى المجاهدين إن تحالفنا مع الشيعة، قلتم: طائفي.. وان تركناذلك قلتم معادي إن