(الجزء الثاني من شرح خطبة الامام الحسين (عليه السلام ) للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (رض

عدد المشاهدات : 53024

المكتب الخاص / النجف الاشرف

 

((خُط الموتُ على وِلدِ آدمَ ......))

يقول في الخطبة : (وخير لي مصرع انا لاقيه) يعني ملاقيه وواصل اليه لا محالة. والمستفاد من ذلك امرين :

احدهما : حصول الجزم به والعزم عليه في القضاء الالهي وعدم احتمال حصول البداء الذي نؤمن به نحن الإمامية نؤمن بصحته، معناه أنه لا يحصل البداء تجاه شهادة الحسين (سلام الله عليه). وأن هذا الأمر مبتوت به ولا يحتمل تغييره وهذا مما تدل عليه روايات أخرى مثل قوله (عليه السلام) كما في بعض الروايات (شاء الله أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا) وقوله (عليه السلام) (القوم يسيرون والمنايا تسير بهم إلى الجنة)، أو قوله عن كربلاء ما مضمونه (هذا محط رحالنا ومقتل رجالنا ومسبى نسائنا). وكذلك يدل على ذلك اكيدا القارورة التي اعطاها الحسين (عليه السلام) لأم سلمة وقال لها ما مضمونه اذا رأيت التراب الذي فيها يفور دما فاعلمي اني قد قتلت. وهذا معناه التنبؤ القطعي ببقاء ام سلمة حية الى ذلك الحين والتنبؤ القطعي بحصول حادثة كربلاء،وهو معنى عدم حصول البداء فيها وان القضاء الالهي مبرم بإنجازها.

الأمر الثاني قوله : (عليه السلام) كما في الرواية وهذه الخطبة (خير لي مصرع أنا لاقيه) ظاهره من الاختيار، يعني اختاره الله لي، أي اختاره في علمه الازلي وقضائه وقدره. ولكن مع ذلك يوجد احتمال آخر وهو أن يكون (خير لي) من الخير، لأن مقتل الحسين (عليه السلام) واصحابه خير كله وليس فيه شر إلا المسؤولية التي تحملها اعداؤه في ايجادهم لهذه المصيبة العظيمة والجريمة الكبيرة ضد الأمام المعصوم المفترض الطاعة. مسؤولية اعدائه موجودة. إلا انه بالنسبة الى اوليائه لا، في الحقيقة شهادته خيرله ولأصحابه وللبشرية أجمعين ولنا أجمعين. يكفي اننا ندرك بعض نتائجها الحسنة امام الله سبحانه وتعالى وأمام التاريخ.

أما بالنسبة اليه فالمقامات العالية التي لا ينالها إلا بالشهادة وهذه موجودة في الروايات.

وأما بالنسبة إلى المجتمع المسلم فمن عدة جهات لا يحصى عددها ولعلنا لاندرك امدها. من قبيل التعليم لأهمية الدين وإن الدين من الأهمية بحيث يستحق وجود مثل هذه التضحية الكبرى بالنفس والنفيس والاصحاب والنساء والاموال والاتعاب وكل شيء، اعطانا هذه العبرة (سلام الله عليه وعلى اصحابه)، واهمية طاعة الله سبحانه وتعالى حتى لو لزم كل هذا المحذور وهذا البلاء الدنيوي.

ومنها : اعطاء الامثولة الاكبر في التضحية للدين والتمرد ضد الظلم وضد عصيان الله سبحانه وتعالى كما يقول (ألا ترون أن الدين لايعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه) و(أن الدين لعق على السنتهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون).

ومنها : الإصلاح الذي هو قاله حسب الرواية، الإصلاح في امة جده رسول الله (صلى الله عليه واله)، وأنا قلت في كتابي عن الحسين (سلام الله عليه) إن هذا يعني جزؤه الرئيسي لم يحصل في حال حياته، لأنه لم يبق بعد هذه الخطبة إلا عدة اشهر وقتل (سلام الله عليه)، وانما حصل الإصلاح بشهادته وبعد شهادته ولا زال يحصل وسيبقى يحصل إلى يوم القيامة بعون الله سبحانه وتعالى وحسن توفيقه له ولنا وللأجيال جميعا وللبشرية جميعا.

ومنها : ابراز الاسلام الحق كأطروحة كاملة وعادلة ازاء الباطل والتسيب والتميع الذي كان يمثله الخليفة والخلافة الاموية والمسيطرين على دفة الحكم وعلى المجتمع من قبيل قوله حسب الرواية (ويزيد لاعب بالقرود وشارب للخمور قاتل للنفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله).

ومنها : حفظ شعائر الدين وهو ما يحصل من ذكر الحسين (عليه السلام) من المواعظ والتعاليم واجتماع المؤمنين وغفران الذنوب وستر العيوب والهمة في طاعة الله سبحانه وتعالى، ولو لم يكن الا مثلا كشيء صغير جدا وهو ذكري للحسين وذكرنا للحسين في امثال هذه المقامات لكفى في الحقيقة، انه هذا امر يتكرر في كل شهر وفي كل يوم وفي كل سنة وتسمعون ما ينفعكم في كثير من المجالس الحسينية وغير الحسينية وهذا امر جيد جدا نتيجة باقية من مقتل الحسين (عليه السلام) إلى يوم القيامة انشاء الله تعالى.

(كأني بأوصالي هذه) والاوصال هي اعضاء الجسم المتصل بعضها ببعض، ومفرده وصلة وهي القطعة المتصلة، فأوصالي اي اعضاء جسدي. ماذا يحصل فيها ؟ (كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات)، العسلان هم الذئاب، يمثل الجيش المعادي له بالذئاب الضارية وليت شعري فان النفس الامارة بالسوء اسوأ من الذئب. لان الذئب يتصرف لحاجته او على طبعه او بدون عقل معتد به واما النفس الامارة بالسوء فقد رزقها الله عقلاً ورشداً ومع ذلك اعرضت عنه واتبعت اهواءها وشهواتها فكانت كما قال الله تعالى : ((إن هم الا كالأنعام بل هم اضل سبيلا)) وقوله تعالى ((أرأيت من اتخذ الهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وبصره)). إذن عسلان الفلوات لا يريد بها حقيقةً الذئاب البرية وانما الذئاب البشرية وهم اعداؤه ولربما يراد به اعداؤه في كل جيل وليس فقط اعداؤه المباشرين، لانكون ضيّقي النظر والفهم وسعوا رحمكم الله في الفهم فانه احسن لكم امام الله سبحانه وتعالى فكلهم عسلان الفلوات. تقطعها معناه انه ليست بأظافرها واسنانها، وانما بأشكال مختلفة من التقطيع حبيبي .. بألسنتها وايديها ومكرها وإلى آخره مما لا يحسن التفصيل فيها الآن. الفلوات جمع فلاة وهي الصحراء واضافتهم إلى الصحراء على احد وجهين. في الحقيقة عسلان الفلوات بالمعنى المطابقي والمعنى المفهوم وهم الذئاب البرية حيث لا يكونون مقصودين حقيقة وإلا الذئاب في البرية هي عسلان الفلوات، صحيح لكنما حينما لا يكونون مقصودين حقيقة وأن البشر الظالمين هم المقصودون حقيقة، اذن فلماذا اضافهم الى الفلوات ؟ سؤال يعرض مع جوابه.

له احد وجهين:

اولا: أما إن الجيش كان في الصحراء فعلا، الجيش المعادي المقابل له كان في الصحراء. كربلاء في ذلك الحين كانت صحراء ليس فيها الا نباتات قليلة نخلات قليلة، وإلا هي على العموم صحراء قاحلة ليست قاحلة بذاك المعنى لأنه فيها نهر على اية حال ولكنها صحراء غير مسكونة ولا مزروعة زرعا معتدا به.

محل الشاهد فتكون صحراء، الجيش الحسيني في الصحراء والجيش المعادي ايضا في الصحراء، والجيش المعادي ظالم وهم عسلان الفلوات لأنهم في الحقيقة الآن هم في الفلاة، أي حال اعتدائهم على الحسين في الطف.

ثانيا: واما لآن عقولهم ومفاهيمهم وعقائدهم كالصحراء ليس فيها ما يسمن وما يغني من جوع، أو قل ليس فيها حق بل كلها باطل هذا ايضا صحيح. المؤمن عقيدته كالبستان وكالشجرة المثمرة، لماذا ؟ لأنه ينفع غيره. ربحه كثير وخسرانه قليل بخلاف الكافر والفاسق والظالم ونحو ذلك بما فيهم الجيش الاموي واتباعهم إلى يوم القيامة. صحراء قاحلة تضر اكثر مما تنفع وتعطش اكثر مما تروي وتجيع اكثر مما تشبع اكيدا. فمن هذه الناحية تكون المسألة منطبقة مائة بالمائة.

ويمكن ان نفهم من هذه الجملة وجهاً ثالثا : وهو بقاء جسده الشريف (سلام الله عليه) بدون دفن ثلاثة أيام فكان من الممكن بحسب القانون الطبيعي أن تأكله الذئاب والوحوش فعلا، لأنهم تركوه وذهبوا فبقيت الصحراء مفتوحة وبالتالي الحيوانات تأتي فتأكل. لكن لا، هم محروسون بعناية الله وإن كانوا متوفين ومقتولين بطبيعة الحال لم يقترب اليهم أي حشرة وأي مكروب وأي وحش، أنا ذكرت ايضا في كتابي عن الحسين انظروا : حينما قطعوا الرؤوس فهم لا بيوم او يومين او نحو ذلك يصلون الى الشام ؟ لا، وانما يحتاجون الى عشرة أيام او خمسة عشر يوما أو عشرين يوما إلى إن يصلون الى الشام، فهذه الرؤوس حينما تقطع وتحمل على الرماح اونحو ذلك لا ينالها الفساد لا تخرج منها رائحة. حبيبي هم المفروض لا يؤمنون بالإمامة ولا يؤمنون بحقانية هؤلاء، فاذا كان هؤلاء غير محقين فسوف تجيف جثثهم قطعا. مع ذلك قطعوها واخذوها. أنا اقول لك انهم يعتقدون انه سوف لا تجيف لأنه لا شعوريا وحقيقة وفي باطن انفسهم يعتقدون أن هؤلاء على حق وأن هؤلاء هم الظالمون ليس أكثر من ذلك. الظالمون قطعوها واخذوها ويعتقدون انها هي التي محقة وليس غيرها محق. ولا يتوقعون ان تفسد وان تتعفن، فهذا معناه عدة امور:

منها : انهم محروسون أي أن هذه الرؤوس والاجساد محروسة بعين عناية الله هذه واحدة.

وثانيا : إن الجيش المعادي يعلم حقانية الحسين (سلام الله عليه) وأنه معتدي ليس فقط على الحسين واصحاب الحسين وأنما معتدي على الله ورسوله وامير المؤمنين  ايضا.

(بين النواويس وكربلاء) هنا يأتي سؤال واضح : إن الحسين اين دفن واين قتل ؟ في كربلاء (كول لا !) طبعا من الضروريات وواضح والمدينة اسمها كربلاء وهذا ينبغي أن يكون واضحا. اذن كيف يقول بين النواويس وكربلاء  ؟ يعني ليس في كربلاء (كول لا !). هذا السؤال عاش في ذهني فترة من الزمن سألت به أحد كبار السن والإختصاصين من سكان كربلاء "رحمه الله" قال لي ببساطة : (هاي النواويس وهاي كربلاء)[1] وفقط. وهو وسط النواويس وكربلاء ما هي ؟ النواويس هي احد طرفي المدينة الحالية وكربلاء بالعامية (بتضخيم اللام) بالطرف الآخر من المدينة فيكون الحسين قد دفن في وسط هاتين المنطقتين. معنى ذلك أن المنطقة التي دفن فيها الحسين في ذلك الحين لم تكن مسماة  بكربلاء. بل الطف او الغاضريات وليست كربلاء. نعم كربلاء انتقل لها من كربلا[2] المجاورة لها فسيمناها كربلاء، أنا حسب فهمي هكذا. وطبعا هي لا زالت بهذا الاسم ولكنه بالدقة لو لاحظنا الفهم القديم اللغوي فمنطقته ليست كربلاء وانما الإمام حارب ودفن بين النواويس وكربلاء وليس في كربلاء وإلى الآن نسميها واقعة الطف لانسميها واقعة كربلاء.

 



[1] بتفخيم اللام.

[2] بتفخيم اللام.

المزيد من من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان