الجزء الرابع من شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس

عدد المشاهدات : 15528

المكتب الخاص / النجف الاشرف

الآن نستمر في شرح بسيط لخطبة سيدنا ومولانا الامام الحسين (سلام الله عليه) :

(لا مَحيص عن يوم خُط بالقلم). المحيص اسم مكان بمعنى مكان الحيص، والحيص يعطي معنى الحركة. قال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين: يقال حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا، اي عدل وحاد.

اقول وهومعنى الحركة بالابتعاد عنه حين يبتعد شخص عن آخر مثلاً. ومقتضى كلام الطريحي أن محيص مصدر وهو لا ينافي أن يكون اسم مكان كمنزل. وما عنه محيص اي لا مهرب عنه، ومنه قوله تعالى ((ما لهم من محيص)).[1] والأئمة (سلام الله عليهم) دائماً يستعملون لغة القرآن وكلمات القرآن وجمل القرآن. واحري بنا جميعا أن نكون كذلك.

(خُط) أي كُتب ورُقم على اللوح أو على الورق بالقلم ويراد به القلم الأعلى الذي يكتب على اللوح المحفوظ، حين يكتب في اللوح المحفوظ وإلا فليس كل قلم وكل لوح كذلك كما هو واضح. خط بالقلم يعني سيد محمد الصدر خاطه !! رب العالمين هو الذي خطه عن طريق القلم الأعلى في اللوح الاعلى.

وهو لم يذكر اللوح لدلالة السياق عليه، ذكر اللوح لا يوجد طبعا، لكن ذكر القلم موجود والقلم لا يكتب الا بلوح.

والخط هنا تعبير عن القدر الإلهي والعزم على حصوله بحيث لا يكون قابلاً لتعلق البداء به كما قلنا في خطبة سابقة وهو تنبؤ منه (سلام الله عليه) بما حصل  فعلا. وهو قد عبر عنه بالخط ونحن نسميه بالكتابة كقول الناس المكتوب ما منه مهروب. فـ(لا محيص عن يوم خط بالقلم) أي كتب في مسؤوليتك وقدرك. وقوله (لا محيص عن يوم خط بالقلم) واضح في أنه يعطي قاعدة عامة ويشمل كل شيء، وليس بشيء دون شيء بل كل الأشياء هي هكذا حتى وقوفي هذا ايضا مخطوط بالقلم الأعلى. فانا آتي أقف لأن الله اراد ان يقف انت أو أي واحد أو اي شيء من الانسان والنبات والجماد والحيوان والأرض والسماء بقلم الله سبحانه وتعالى مكتوب.فـ(لا محيص عن يوم خط بالقلم) لكل المخلوقات وكل عالم الأمكان بما فيها الحسين (سلام الله عليه).

ومن ذلك ما خط في قانونه العام على البشرية كالرزق والمرض والموت كما قال تعالى ((كل نفس ذائقة الموت)) وقال الحسين (عليه السلام) في نفس الخطبة (خُط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة) إلا أن الذي يظهر من سياق الكلام من (يوم خُط بالقلم) يوم شهادته، هو يريد أن يطبقه على نفسه (سلام الله عليه) كما قال في أول الخطبة ( وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء). فيكون المراد انه لا محيص لي عن يومي الذي خط لي بالقلم. كما لا محيص لأحد عن  يومه الذي خط له بالقلم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

(رضا الله رضانا أهل البيت) اقرأ لكم في ذلك ما كتبته في اضواء على ثورة الحسين (عليه السلام) فان هذه الجملة  تحتوي على تقسيمين[2]:

التقسيم الاول: النظر الى معنى الرضا في هذه الجملة، فأننا تارة نفهم منها نفس الرضا بصفته عاطفية نفسية محبوبة : إن الانسان راضي. واخرى نفهم منها الامر المرضي، رضاي اي مرضيي والذي احبه وافضله، واخرى نفهم منها الامر المرضي يعني الذي يتعلق به الرضا كما هو متعارف عرفا التعبير بذلك ولو مجازا.

التقسيم الثاني: النظر الى ما هو المبتدأ والخبر في  هذه الجملة، فانه قد يكون رضا الله مبتدأ ورضانا خبر. كما هو مقتضى الترتيب اللفظي لهذه الجملة فالمتقدم لفظا يكون مبتدأ وما هو متأخر لفظا يكون خبر. اما بالعكس (لأنكم طبعا اكثركم لم تدرسوا في الحوزة العلمية) اي خبر متأخر يصح، ومبتدأ متأخر  يصح، اي ان المتأخر خبر وما قبله مبتداء ايضا يصح. وهو ان يكون رضا الله خبرا مقدما ورضانا مبتداءا مؤخرا، كمانقول زيد قادم وقادم زيد. واذا لاحظنا كلا التقسيمين كانت الاحتمالات اربعة بضرب اثنين في اثنين. ولكل من هذه المحتملات معناها المهم. ويمكن ان نعطي فيما يلي بعض الامثلة في الفهوم التالية:

الفهم الاول : أن يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي ويكون رضا الله في هذه الجملة هو المبتدأ. فيكون المعنى أن الأمر الذي يرضاه الله عز وجل نرضاه نحن اهل البيت.  وهذا هو الفهم الاعتيادي والمناسب مع السياق في هذه الخطبة من حيث انه (عليه السلام) يعبر عن رضاه بمقتله (بمقتل نفسه) بانه امر مرضي لله عز وجل.

الفهم الثاني: ان يكون الرضا بمعنى الامر المرضي ويكون رضا الله في هذه الجملة خبرا مقدما. فيكون المعنى ان الامر الذي نرضاه نحن اهل البيت يرضاه الله عز وجل او قل هو مرضي لله عز وجل بدوره. ما نرضاهيرضاه الله كما انه ما يرضاه الله نحن نرضاه كلاهما هكذا. ليس هذا خاص باهل البيت، ماذا يقول في القرآن ؟ ((فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه))[3] وهو انه : ما يرضاه الله هم راضين به، وما هم راضين به ايضا الله راضي به. وهذا امر صحيح وعلى القاعدة مطابق لما ورد عنهم (عليهم السلام) بمضمون اننا اعطينا الله ما يريد فاعطانا ما نريد. فتكون تلك الجملة بمعنى الفقرة الثانية من هذه الجملة (اي اعطانا ما نريد). كما هو واضح للقاريء اللبيب.

الفهم الثالث: ان يكون المراد بالرضا معناه المطابقي (اي الرضا النفسي) وليس الامر المرضي كما قلنا في الفهوم السابقة. ويكون رضا الله في هذه الجملة مبتدأ والثاني خبر. فيكون المعنى ان رضا الله سبحانه هو رضا اهل البيت (عليهم السلام). وهذا صحيح ايضا ومطابق للقاعدة لأن الفلاسفة والمتكلمين المسلمين قالوا انه ورد في الكتاب الكريم والسنة الشريفة نسبة كثير من الامور الى الله سبحانه كالرضا والغضب والحب والبغض والكره والارادة وغير ذلك من الصفات. مع انه قد ثبت في مورد آخر في علم الكلام والعقائد الاسلامية ان الله تعالى ليس محلا للحوادث ويستحيل فيه ذلك وكل هذه الامور من قبيل العواطف المتحددة التي تستحيل على ذات الله سبحانه، فكيف صح نسبتها اليه سبحانه في الكتاب والسنة ؟ وقد اجاب الفلاسفة والمتكلمون بعدة اجوبة عن ذلك، كان اهمها وهو الذي مطابق لهذا الفهم من قوله (عليه السلام) (رضا الله رضانا اهل البيت) : انه جل جلاله يجعل هذه العواطف المتحددة في نفوس اوليائه وانبيائه واصفيائه. فاذا علمنا إن اهل البيت هم اولياء الله واصفياؤه كما هو الواقع، اذن فيصدق أن رضا الله رضاهم اهل البيت، لأن رضا الله سبحانه وتعالى كما قال الفلاسفة ليس قائما بذاته جل جلاله بل قائما بذوات المعصومين (سلام الله عليهم).

 

 



[1]

[2] انظر ص 59 المحققة.

[3]

المزيد من من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان