الجزء الخامس من شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس

عدد المشاهدات : 10994

المكتب الخاص/ النجف الاشرف 
 

نستمر الآن في شرح خطبة الحسين (سلام الله عليه).

قال (عليه السلام): (لن تشذ عن رسول الله لحمته). عبر هنا بضمير الغائب فقال (لحمته) ولم يقل لحمتي، إلا أن الظاهر أنه يريد نفسه يريد ضمير المتكلم.إلاأنه أبدله بضمير الغائب حتى لا يكون مدحا للنفس وثناء عليها. فيكون المراد لن تشذ عن رسول الله لحمتنا  كما قال : رضا الله رضانا اهل البيت.

واللحمة من الالتحام وهو الاتصال، والشذوذ هو الابتعاد (أما التحم وأما شذ) والشاذ هو المبتعد ونعبر بالشاذ عن كل ما هو غير طبيعي، لأنه مبتعد عن المستوى الطبيعي. فيكون المراد أنه لن تبتعد عن رسول الله لحمته، أو قل لن يبتعد عن رسول الله قربه والتحامه ولصوقه.

وقوله : لن تشذ للتأبيد يعني إلى الأبد بهذا المعنى وأنها ستبقى ملتحمة ولن تبتعد إطلاقا الى ما لا نهاية. أو يكون المراد الإشارة إلى الشأنية يعني ليس من شأنها أن تبتعد وغير قابلة للابتعاد أصلا. وما ليس من الشأن يكون مستحيلا أو بمنزلة المستحيل كقوله تعالى : ((كان الله سميعا بصيرا)) إي من شأنه أن يكون سميعا بصيراففقد السمع والبصر بالنسبة إلى الله مستحيل. وكذلك قوله تعالى : ((وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم)) فإضلاله للقوم يكون مستحيلا أو بمنزلة المستحيل. إي ليس من شأنه وديدنه ذلك. وكذلك قوله تعالى ((وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)) إي ليس من شأنه أن يعذبهم وهم مستغفرون إنشاء الله نكون من المستغفرين فلا يعذبنا الله سبحانه وتعالى لا عذاب الدنيا ولا عذاب الآخرة. وأما اذا كان واحد كذا وكذا واصل حسابه ولم يستغفر فيعذبه الله عذاب الدنيا وعذاب الاخرة. وما البلاء الدنيوي إلا من قبيل اعطاء فرصة وجر اذن انه استغفر، لعلهم يتفكرون، لعلهم يتذكرون، لعلهم يتوبون، لعلهم يؤبون، لعلهم ينوبون. أما الله تعالى يواجه منا اذنا غير صاغية، اذنا صماء فهل هذا  مما يحمد عقباه ؟‍ الله سبحانه وتعالى غير حامل لنا هم، كل هذا الجمع غير حامل له هم. إنما كل واحد بحسابه وكتابه فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون.

ثم يقول (سلام الله عليه): (بل هي مجموعة له في حضيرة القدس) لن تشذ وإنما هي مجموعة ومرتبة ومركبة له في حضيرة القدس، وقوله (بل هي) يعني اللحمة مجموعة له لأنه يجتمع برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وأمه فاطمة الزهراء (عليهم افضل الصلاة والسلام)، يعني بأرواحهم العليا وليس بأجسامهم الدنيوية بطبيعة الحال، يعني بأرواحهم العليا في حضيرة القدس كما قال في نفس الخطبة (وما اولهني إلى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف) وانما هو وآله الى تلك الارواح العليا والمقامات السامية وليس إلى الوجودات الدنيوية بطبيعة الحال على انها مقدسة جدا واقدس ما هو موجود على وجه الارض، لكن طبعا تلك المقامات اقدس منها أكيداً بما لا يقاس وما لا يتناهى.

وحضيرة القدس مرتبة من المراتب الإلهية العالية جداً التي لا يمكن ـ لاحظوا ـ لا يمكن أن نتوصل الى تعرفيها أو معرفتها كما قال الله تعالى ((رفيع الدرجات ذو العرش)) وليست هذه الدرجات لذاته، لا، هو لا يستفيد من الدرجات حبيبي، لأنه انما يتمناها لخلقه وللمؤمنين من عباده وخاصة المستحقين لتلك الدرجات في الحقيقة.

إلا اننا بالرغم من أننا لا نستطيع فهم هذه الدرجة العليا (أقصد حضيرة القدس) إلا اننا نشرح اللفظ فقط. فالحضيرة على وزن فعيلة من الحضور وهي أما بمعنى اسم المفعول بمعنى محضرة او أسم الفاعل بمعنى حاضرة، إلا أن هذا فيه نحو من المجازية. لأن من فيها حاضر ومن فيها محضر، المكان هو لا حاضر ولا محضر وإنما من في المكان هو حاضرا ومحضر. المهم أنه في الحقيقة الذي ينطبق عليه أنه حضير بمعنى حاضر هو المكين أي من في المكان وليس المكان نفسه.

ويمكن ان تكون فيها الياء زائدة فتكون الحضيرة بمعنى الحضرة يعني حضرة القدس ونحن نعبر بالحضرة عن مراقد المعصومين (عليهم السلام) لأنهاكأنها موضع الحضور عندهم فكذلك الحضور عند القدس الإلهي وفي مراتب العظمة الالهية والنور الإلهي.

والقدس هو الطهارة ومقدس يعني طاهر ويراد بها غالبا الطهارة المعنوية يعني طهارة النفس والقلب، يقال : قدس الله سره أي طهر الله روحه.

وهناك في الأفق الأعلى وفي الأفق المبين توجد الطهارة الحقيقية وهي الخلوص من كل النجاسات كالنظر إلى الدنيا والشهوات والالآم والأفراح فكل هذا يروح ويزول سالبة بانتفاء الموضوع كما يعبرون، ليس له وجود اصلا، والنظر إلى الاشخاص صديقك وعدوك وجيرانك والبعيد عنك والذي يتعامل معك هناك لا يوجد، بل تبقى البهجة الإلهية في نفس العبد هي وحدها السارية المفعول.

ولذا قال (عليه السلام): (بل هي مجموعة له في حضيرة القدس تقر بهم عينه) فان هذا التعبير من استقرار العين عن البكاء أو أنه تصبح العين بحالة من الفرح والابتهاج. ولا شيء في الوجود أكثر فرحا وبهجة من تلك المستويات الإلهية العالية التي ذخرها الله تعالى لخاصة خلقه ولذا ورد : (ان لك مقامات لا تنالها الا بالشهادة)، يعني فتحمل كل ما تستطيع من انواع البلاء والالآم الجسدية والمعنوية والقلبية والاجتماعيةوالاقتصادية الدنيوية طبعا في سبيل نيل تلك الدرجات الآخروية  العالية جدا حيث لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ويشمله قوله تعالى : ((ولدينا مزيد)) فان الكمال لامتناهي وما من كمال إلا فوقه كمال وما من بهجة إلا فوقها بهجة وما من درجة الا وفوقها درجة يعطيها الله هناك بالعطاء المباشر لقوله جل من قائل ((ولدينا مزيد)) بدون عمل لأنه ليس في الاخرة عمل، في الآخرة حساب ولا عمل وفي الدنيا عمل ولا حساب.

ثم قال: (وينجز لهم وعده) ولم يقل وينجز له وعده فهناك الضمير كان مفردا وهنا جمع وهو يقول : (تقر بهم عينه وينجز لهم وعده) لمن ؟ للمعصومين من اسلافه : جده وابوه وامه واخوه (سلام الله عليهم اجمعين). حينئذ نقول : أن الوعد له أو لهؤلاء ؟ هو له جيد أن يقال المقامات العالية وليس لهم، لا. أنا اقول لكلا الجهتين : اما له فينبغي أن يكون واضحا لأنه هو يفوز بمقاماته التي اختصه الله بها. لكن في الحقيقة كذلك الله تعالى وعد رسول الله (صلى الله عليه واله) بان يعطي الحسين مقامات عالية ووعد عليا (عليه افضل الصلاة والسلام) أن يعطي الحسين مقامات عالية ووعد الزهراء أن يعطي الحسين مقامات عالية ولماذا لا ؟ لانهم يحبهم ويحبونه اي في الله وليس للقرابة بطبيعة الحال. فاذا كان واحد منهم نال درجات عالية الاخر يستر طبعا ويكون ناجز الوعد وفي رحمة الله سبحانه وتعالى فينجز لهم وعده بإعطاء الحسين تلك المقامات العالية (سلام الله عليه).

 

 

المزيد من من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان