شهداء من الطف : برير بن خضير الهمداني المشرفي رضى الله عنه

عدد المشاهدات : 9787

 المكتب الخاص/ النجف الاشرف 

من الشيعة المخلصين وكان سيد القراء في الكوفة كانت له مواقف جليلة أيام عاشوراء حتى استشهاده رضوان الله عليه .

 برير بن خضير الهمداني المشرقي ( وبنو مشرق بطن من همدان )  كان برير شيخا تابعيا ناسكا ، قارئا للقرآن ، من شيوخ القراء ، ومن أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيين ،  وهو خال أبي إسحاق الهمداني السبعي  .

قال أهل السير : أنه لما بلغ خبر الحسين ( عليه السلام ) سار من الكوفة إلى مكة ليجتمع بالحسين ( عليه السلام )  فجاء معه حتى استشهد .

وقال السروي : لما ضيق الحر على الحسين ( عليه السلام ) جمع أصحابه فخطبهم بخطبته التي يقول فيها : " أما بعد ،  فإن الدنيا قد تغيرت الخ "   . فقام إليه مسلم ونافع فقالا ما قالا في ترجمتيهما ، ثم قام برير فقال : والله يا بن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك ، تقطع فيك أعضاؤنا ، حتى يكون جدك يوم القيامة بين أيدينا شفيعا لنا ، فلا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم ، وويل لهم ماذا يلقون به الله ، وأف لهم يوم ينادون بالويل والثبور في نار جهنم .

وقال أبو مخنف : أمر الحسين ( عليه السلام ) في اليوم التاسع من المحرم بفسطاط فضرب ، ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة فأطلى بالنورة ، وعبد الرحمن بن عبد ربة ،وبرير على باب الفسطاط تختلف مناكبهما   ، فازدحما أيهما يطلي على أثر الحسين ( عليه السلام ) ، فجعل برير يهازل عبد الرحمن ويضاحكه ، فقال عبد الرحمن : دعنا ، فو الله ما هذه بساعة باطل !  فقال برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ، ولكني والله لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن نحمل على هؤلاء فيميلون علينا بأسيافهم ، ولوددت أن ملوا بها الساعة وقال أيضا ، روى الضحاك بن قيس المشرقي - وكان بايع الحسين على أن يحامي عنه ما ظن أن المحاماة تدفع عن الحسين ( عليه السلام ) فإن لم يجد بدا فهو في حل   - قال : بتنا الليلة العاشرة ، فقام الحسين وأصحابه الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون يتضرعون ، فمرت بنا خيل تحرسنا ، وإن الحسين ليقرأ * ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين * ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) *  فسمعها رجل   من تلك الخيل فقال : نحن ورب الكعبة الطيبون ، ميزنا منكم .   قال : فعرفته ،

فقلت لبرير : أتعرف من هذا ؟  قال : لا . قلت : أبو حريث (7) عبد الله بن شهر السبيعي - وكان مضحاكا بطالا ، وكان ربما حبسه سعيد بن قيس الهمداني في جناية - فعرفه برير ، فقال له : أما أنت فلن يجعلك الله في الطيبين ! فقال له : من أنت ؟ قال : برير .

فقال : إنا لله عز علي ! هلكت والله ، هلكت والله يا برير !  فقال له برير : هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام !  فوالله إنا لنحن الطيبون وأنتم الخبيثون ، قال : وأنا والله على ذلك من الشاهدين ، فقال ويحك أفلا تنفعك معرفتك !  قال : جعلت فداك ! فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي ؟ هاهو ذا معي . قال : قبح الله رأيك أنت سفيه على كل حال  . قال : ثم انصرف عنا .

وروى بعض المؤرخين أنه لما بلغ من الحسين ( عليه السلام )  العطش ما شاء الله أن يبلغ استأذن برير الحسين ( عليه السلام )  في أن يكلم القوم فأذن له ، فوقف قريبا منهم ، ونادى : يا معشر الناس ، إن الله بعث بالحق محمدا بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها ، وقد حيل بينه وبين ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أفجزاء محمد هذا ؟

فقالوا : يا برير ، قد أكثرت الكلام فاكفف ،  فو الله ليعطشن الحسين ( عليه السلام ) كما عطش من كان قبله ، فقال الحسين ( عليه السلام ) اكفف يا برير ، ثم وثب متوكئا على سيفه ، فخطبهم هو ( عليه السلام ) بخطبته التي يقول فيها : " أنشدكم الله هل تعرفوني . . . الخ "  . وروى أبو مخنف عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس   قال : خرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة فقال : يا برير بن خضير ، كيف ترى صنع الله بك ؟ قال : صنع الله بي والله خيرا ، وصنع بك شرا ،  فقال : كذبت ، وقبل اليوم ما كنت كذابا ، أتذكر وأنا أماشيك في سكة بن دودان   وأنت  تقول : إن عثمان كان كذا ، وإن معاوية ضال مضل ، وإن علي بن أبي طالب إمام الحق والهدى ؟ قال برير : أشهد أن هذا رأيي وقولي ،  فقال يزيد : فإني أشهد أنك من الضالين ،  قال برير : فهل لك أن أباهلك ، ولندع الله أن يلعن الكاذب ، وأن يقتل المحق المبطل ، ثم أخرج لأبارزك . قال : فخرجا فرفعا أيديهما بالمباهلة إلى الله ، يدعوانه أن يلعن الكاذب وأن يقتل المحق المبطل ، ثم برز كل واحد منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين ، فضرب يزيد بريرا ضربة خفيفة لم تضره شيئا ، وضرب برير يزيد ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ ، فخر كأنما هوى من حالق ، وإن سيف برير لثابت في رأسه ، فكأني أنظر إليه ينضنضه من رأسه ، حتى أخرجه وهو يقول :

                                                    أنا برير وأبي خضير * وكل خير فله برير

ثم بارز القوم فحمل عليه رضي بن منقد العبدي ، فاعتنق بريرا ، فاعتركا ساعة ، ثم إن بريرا صرعه وقعد على صدره ،  فجعل رضي يصيح بأصحابه : أين أهل المصاع والدفاع ؟ فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي يحمل عليه ، فقلت له : إن هذا برير ابن خضير القارئ الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد ! وحمل عليه بالرمح حتى وضعه في ظهره ، فلما وجد برير مس الرمح برك على رضي فعض أنفه حتى قطعه ، وأنفذ الطعنة كعب حتى ألقاه عنه ، وقد غيب السنان في ظهره ، ثم أقبل يضربه بسيفه حتى برد ، فكأني أنظر إلى رضي قام ينفض التراب عنه ،ويده على أنفه وهو يقول : أنعمت علي يا أخا الأزد نعمة لا أنساها أبدا . فلما رجع كعب ، قالت له أخته ، النوار بنت جابر : أعنت على ابن فاطمة ، وقتلت سيد القراء ، لقد أتيت عظيما من الأمر ، والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا .

فقال كعب في ذلك :

 

سلي تخبري عني وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع

 

ألم أت أقصى ما كرهت ولم يخل * علي غداة الروع ما أنا صانع

 

معي يزني لم تخنه كعوبه * وأبيض مخشوب الغرارين قاطع

 

فجردته في عصبة ليس دينهم * بديني وإني بابن حرب لقانع

 

ولم تر عيني مثلهم في زمانهم * ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع

 

أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى * ألا كل من يحمي الذمار مقارع

 

وقد صبروا للطعن والضرب حسرا * وقد نازلوا لو أن ذلك نافع

 

فابلغ عبيد الله إما لقيته * بأني مطيع للخليفة سامع

 

قتلت بريرا ثم حملت نعمة * أبا منقذ لما دعا : من يماصع ؟

 

قال : فبلغت أبياته رضي بن منقذ ، فقال مجيبا له يرد عليه :

 

فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم * ولا جعل النعماء عند ابن جابر

 

لقد كان ذاك اليوم عارا وسبة * تعيره الأبناء بعد المعاشر

 

فيا ليت أني كنت من قبل قتله * ويوم حسين كنت في رمس قابر (11)

 

وفي برير أقول : جزى الله رب العالمين مباهلا * عن الدين كيما ينهج الحق طالبه

 

وأزهر من همدان يلقي بنفسه * على الجمع حيث الجمع تخشى مواكبه

 

أبر على الصيد الكماة بموقف * مناهجه مسدودة ومذاهبه

 

إلى أن قضى في الله يعلم رمحه * بصدق توخيه ويشهد قاضبه

 

 

فقل لصريع قام من غير مارن * عذرتك إن الليث تدمى مخالبه

المزيد من من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان