حدود أهداف الامام الحسين (ع) من كتاب أضواء على ثورة الإمام الحسين (ع) للسيد الشهيد محمد محمد الصدر(قدس).

عدد المشاهدات : 33730

المكتب الخاص / النجف الاشرف

 

حينما نريد أن نتحدث عن حدود أهداف الحسين ع في ثورته، فإنما نتحدث، كما أسلفنا في حدود فهمنا ومدى إدراكنا، وهو البعيد عن فهم الواقعيات والمحجوب أساساً عن الوصول إلى تلك المستويات. فنحن نتحدث عن أقصى ما ندركه من أمر منطقي ومعقول، كأطروحة مقبولة ومحتملة في هذا الصدد وليس كشيء قطعي وناجز، ونحن نعلم ان ما خفي علينا من الحق أكثر مما اتضح لنا بكثير، وخاصة ونحن نعرف ــ كما سبق أيضاً ــ بأن أقوال المعصومين ع وأفعالهم مطابقة للحكمة الإلهية، ومساوقة للعلم الإلهي، لما لهم من التأييد والتسديد منه جل جلاله. ومن المعلوم أن الحكمة والعلم الإلهيين غير محدودين ونحن محدودون. [ولا يمكن للمحدود أن يدرك اللامحدود]. 

ولو تنزلنا عن ذلك جدلاً، أمكننا القول بأن الواحد من المعصومين ع هو أفضل من أفضل واحد من البشر  رأيناه أو سمعنا عنه، في جميع المستويات وعلى أي صعيد. والفرد مهما أوتيَ من قوة تفكير, وحدة ذكاء, فهو أدنى منهم بمراتب عظيمة. ومن المعلوم أن الادنى لا يمكن أن يدرك جميع ما لدى الأعلى، ولا يمكن أن يفهم مستواه إلا إذا كان اذا مساويا له. 

خذ إليك مثلا : إن الطفل الدارس في المدارس الابتدائية، أو من هو على شاكلته، هل يصح ان نتصور أن يفهم الرياضيات المعمقة والفلسفة المحققة، أو علوم الفيزياء أو الكيمياء المفصلة ؟! وهكذا مستوى أي واحد منا تجاه أي واحد من المعصومين ع. إذن فالتعرف على كل حقيقتهم وأهدافهم إن لم يكن محالاً، فهو بمنزلة المحال. 

ولكن في حدود ما نفهم، فإننا حين نريد أن نطرح بعض الأفكار عن أهداف الإمام الحسين ع في ثورته، فتلك الأفكار لا بد أن تكون حاوية على عدد من الشروط لا بد منها. ولا يمكن أن تكون أفكارنا جزافية أو مطلقة : 

الشرط الأول : أن يكون الشيء الذي نتصوره هدفا للأمام الحسين ع أمرا مرضياً لله عز وجل، لا تشوبه شائبة عصيان أو أن يكون مرجوحا في الشريعة المقدسة، بما في ذلك حب الدنيا وطلب المال والجاه والسيطرة المنفصلة عن الأمر الالهي والتكليف الشرعي. 

الشرط الثاني : أن يكون الهدف الذي نتصوره مناسباً مع حال الحسين ع وشأنه. لا أن يكون هدفاً مؤقتاً أو متدنياً أو ضئيلاً. فان ذلك مما لا يصح له وجود هذه التضحية الكبيرة التي أقامها الحسين ع وعاناها. فإنها عندئذ لا تكون معقولة ولا عقلائية، وإنما لا بد أن يكون الهدف معمقاً وواسعاً وأكيداً وشديداً، بحيث يسع كل هذه التضحيات. 

الشرط الثالث : أن يكون أمراً متحققاً، إما في الحال أو في الاستقبال، ولا يجوز أن نطرح له هدفاً فاشلاً وغير متحقق أو غير قابل للتحقيق. فإنه خلاف الحكمة الإلهية. ولا يمكن أن ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحكمة اللامتناهية. 

مثال ذلك : أن الإمام الحسين ع لو كان قد استهدف النصر العسكري العاجل، أو إزالة حكم بني أمية، أو ممارسة الحكم في المجتمع فعلا. فهذا ونحوه من الأهداف القطعية الفشل، لأنها لم تحدث ولم يكن من الممكن أن تحدث. إذن فهو ليس بأمر مستهدف، وإن تخيله بعض من المفكرين أو عدد منهم، إلا أنه لاشك في بطلانه، لأن هدفه ع راجع إلى أهداف الحكمة الإلهية، ومثل هذه الأهداف لا يمكن أن تكون فاشلة، لأن الله تعالى كما هو حكيم هو قادر، فهو يستطبع أن ينفذ ما في حكمته بكل تقدير. فلو استهدف الله سبحانه هدفاً لحصل. وحيث إنه لم يحصل فهو إذن غير مستهدف.

 الشرط الرابع : إنه يمكن أن يقال: إن من شروط فهم أهدافه ع، أن يكون مذكوراً في كلامه، لأننا إنما نعلم بالأمور من أصحابها وأهل الحل والعقد فيها. وقديماً قال الشاعر: [وأهل البيت أدرى بالذي فيه]. وليس لنا أن نضيف من عندنا شيئاًُ، وإنما نسمع منه سلام الله عليه مثل قوله: [إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله ص وآله اريد ان آمُرَ بالمعروف وانهى عن المنكر. بعد أن وصف المجتمع بضعف الدين وقلة الالتزام بالتعاليم: [ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون الى الحق لا يعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه. 

فالغرض من هذا العرض، هو ان الهدف إن كان مذكوراً في كلامه سلام الله عليه أخذنا به، وإن لم يكن قد ذكره أعرضنا عنه، ولم نعتبره هدفاً حقيقياً له. إلا أن هذا الشرط غير صحيح. لعدة أجوبة يمكن أن تورد ضده : 

الجواب الأول : ضعف الروايات الناقلة لكلامه سلام الله عليه، إذن فلم يردنا عن طريق صحيح بيان أهدافه سلام الله عليه. فلو اشترطنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة الأهداف إطلاقاً.          

 الجواب الثاني : إن هناك قانوناً عرفياً وشرعياً، متبعا في التفاهم بين جميع الناس، وان لم يكن يلتفت إليه الكثيرون بصراحة. وهو قانون: [كلم الناس على قدر عقولهم. والحسين ع لا شك أن المجتمع في ذلك الحين لم يكن يطيق فهم واستيعاب أهدافه الحقيقية من حركته، لأنه كان حديث عهد بالدين وبشريعة سيد المرسلين، ولم يكن المجتمع يومئذ تربى بالمقدار المطلوب، وإنما كان فهمه للدين بسيطاً وتطبيقه للتعاليم قليلاً ما عدا نفر يسير من الناس. وبالتالي, لم تكن هذه الألف وحوالي النصف من السنين قد مرت وأثرت في تربية المجتمع، وتكامل فهمه العقلي والنفسي تكاملاً معتداً به، وكلما مرت السنين أكثر كان هذا التكامل أكثر لا محالة. 

فإذا لم يكن بيان أهدافه ممكناً عندئذ، فخير له أن يطويها في نفسه وأن يكتمها عن غيره، وإنما يقول للآخرين بمقدار ما هو ممكن فقط، مما لا يكون هو الهدف الحقيقي لحركته ع، ولا أقل من احتمال ذلك. الأمر الذي يسقط به هذا الشرط الرابع. 

الجواب الثالث : على هذا الشرط: إن هناك بعض الأعمال يعتبر التصريح بأهدافها إفساداً  لها، وتكون عندئذ عقيمة وغير منتجة، وهذا أحد التأويلات المهمة لما ورد: [استعينوا على أموركم بالكتمان.

 وما ورد: [من أن التصريح بالشيء قبل إنجازه موجب لإفساده وهذا المعنى ظاهر للعيان بالتجربة، في كثير من الأمور الشخصية والعامة. 

إذن فمن المحتمل، والاحتمال قاطع للاستدلال، كما عرفنا في مقدمات هذا البحث. من المحتمل أن يكون تصريح الحسين ع بأهدافه قبل حركته، مفسداً لها مخرّباً لنتائجها. ومن هنا سيكون المتعين عليه كتمان ما يريده والصمت عما يستهدفه حفظا للنتائج من الضياع، إذ من المؤسف حقاً وجدّاً، وجود حركة مهمة من هذا القبيل الذي قام به ع وتضحية ضخمة على هذا الغرار، ومع ذلك لا تكون منتجة ولا نافعة. إذن فمن الضروري أن تكتم أهدافه الحقيقية في سبيل صحتها وإنتاجها. إذن, فهذا الشرط الرابع، وهو أن نتوقع سماع الأهداف منه ع، ليس بصحيح. وهذا بخلاف ما سوف نذكره بعون الله تعالى من الأهداف، فإنها إنما تأتي بعد إنجاز حركته ووجودها وإلقائها، بل بعد حصول عدد معتد به من نتائجها. وإنما يختص ما قلنا بالتصريح بالهدف قبل الحركة لا بعدها. 

المزيد من من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان