| من وحي الذكرى | في شهر محرم الحرام هجرة لبعث الأمة واحيائها وهجرة لبقائها واصلاحها

في شهر محرم الحرام هجرة لبعث الأمة واحيائها وهجرة لبقائها واصلاحها

  |   عدد المشاهدات : 6169
في شهر محرم الحرام هجرة لبعث الأمة  واحيائها وهجرة لبقائها واصلاحها

المكتب الخاص / النجف الاشرف

هجرة من هدي السماء، لبعث الأمة واحيائها، والخلاص لإيمانها القابع بين جدران الظلم والظلام ، والحبيس بين قضبان عباد الأوثان، ودين الله بلا ناصر كالأسير بيد الخذلان، ودعوة كادت تندثر في الصحراء اللاهبة، ويطويها النسيان، خنقتها جاهلية الجهلاء، بين غلظة الغرباء وسياط الجفاء، ودهاء الشرك، وغدرة أحيكت في ليلة ظلماء، فمكث الوصي على فراش الوفاء، ليتقد في حلكة ذلك الظلام، اول سراج للفداء، وهجرة أخرى، الى الإصلاح في قافلة الفلاح، من مكة لكربلاء، قائدها السبط، تقطع طريق الصبر والنهي عن المنكر، دستورها سيرة الانبياء، على طرق الأمر بالمعروف ستلقى الحتوف، مسيرة إنسانية خطاها المجد، تقصد الخلود، تجاوزت حدود الادراك، خطاها عجيبة يحدوها الشوق، انها رحلة العاشق الى المعشوق.

أقبل شهر الهجرة والهجر، والقوم يسيرون والمنايا تسير نحوهم، ومن أفق التاريخ، امتدت يد الحقيقة، ازالت عن وجه الهلال برقع الحزن، فاذا به هلال بلون الدم، أطل من نافذة الذكرى، يتقلب في بروج الأسى ، جاء ليروي لنا قصة الألم، وفصول المأساة، جاء هلال الأحزان، متشحاً بسواد الكرب، ومؤتزاً بالبلاء، وتعلوه الكأبة والهم، وبقايا من رماد الخيام، اقبل محرم وفي ضميره صدى الآهات، وألم الذكريات، ترجل من ناقة الزمن، وظهره محنياً كهيئة الراكع، كأنه يحمل القرون، فهطلت دموعه لتعانق الثرى، كأنها حروف ملتهبة، فخطت بحرارتها قصة عظيمة، حروفها جروح، ينبعث منها صوت الألم، ها هنا نحرت أوداج القرآن، وبعثرت آياته في الفلوات، ها هنا قطعوا أشلاء النبي، وأحرقوا خيام الحرم، ها هنا شيدت منارة الظمأ، واقيمت صروح الغربة، ومات طعم الفرات من شدة الندم.

جاء محرم كعادته، ليحج في ماسينا، مؤتزرا بحزننا السرمدي، واحرام اللوعة الابدي،  فأقبل على نهر ولائنا الجاري، من الدموع والعبرات، فاغتسل بنية الحزن، وراح يطوف حول الضريح، ويسعى بين العلقم والذبيح، أقبل محرم وقرعت طبول الطف، وخفق القلب لوقعها وراح يرتجف، شوقاً الى الأحبة، كأن كربلاء حاضرة ودمائهم لم تجف، ارتفعت المشاعل، كالخيام المحترقة، تناثر رمادها مع الاشلاء المبعثرة، وصرخة اما من مغيث يغيثنا، تنبعث من بين الرمال، رسمت صورة حية، من وحي الضمير، تفوق الواقع والخيال، نداء استغاثة انساني، بلسان ظامئ، فاستجابت له دموعنا المنهمرة، وقلوبنا المعتبرة، هذه كربلاء جرح السماء، وآلامها اعمق من الزمن، تغوص في ذات الوجدان، وغربة اقصى من الرحيل، تلوح باللاعودة، ولهفة بطعم الحب، سلب رونقها الجفاء، تمضي على نار المودة، تنادي بلسان الوفاء، آه آه كربلاء.