الرئيسية | | من وحي الذكرى | هجرة النبي صلى الله عليه وآله .. تضحية وإيثار

هجرة النبي صلى الله عليه وآله .. تضحية وإيثار

عدد القراءات : 8542

 

المكتب الخاص / النجف الاشرف

أي دعوة حق أو رسالة تغيير ايجابية لايمكن ان تتواصل وتستمر دون الاصطدام بعدة عقبات او محاولات لإخمادها بشتى الوسائل , وكلما كانت ما تحمله هذه الدعوات من نضوج فكري راقي ونهج إصلاحي عظيم يزعزع وجود النمط التسلطي الفاسد واستمرار الثقافات المتخلفة كانت العراقيل التي تواجهه كبيرة جدا ويصل حد المواجهة الى ازهاق الارواح وسفك الدماء والحصار والتجويع ... الخ . فقد أخذت قوى الظلم والظلام في مكة في بداية رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)  اخذت على عاتقها عرقلة هذا التغيير القادم من السماء والتقدم الحثيث نحو بيئة جديدة تعرّف معاني الوجود والانسان والحياة والحرية الحقيقية وليس ما تمليه عقول متحجرة وموروثات وضيعة لاتتعدى حدود الشهوة والغريزة والانطواء على الذات وتبنى سلوكيات لا تتناسب مع ما ينبغي ويجب ان يكون عليه الواقع المفترض .

بعد أن فشلت جميع الطرق التي اتَّبعها مشركي قريش في صدِّ النبي (صلى الله عليه وآله) عن أداء رسالته الإلهية، اتَّفقوا على أن يرسل كل فخذ من قريش رجلاً مسلّحاً بسيفه، ثم يأتون إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نائم على فراشه، فيضربونه جميعاً بسيوفهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلّمهم، وبذلك يذهب دمه هدراً..

الا ان العناية الالهية والحفظ الرباني لنبيه ورسالته كانا حاضرين لانه سبحانه يأبى الا ان يتم نوره ولو كره المشركون , فقد أخبر جبرائيل (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله) بخطّة قريش، وأمره بالهجرة إلى المدينة المنوّرة، ونزل قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين ). جاء امر الله سبحانه وتعالى لنبيه العظيم (صلى الله عليه واله) بالهجرة وكذلك بمبيت أمير المؤمنين علي بن ابي طالب(عليه السلام) في فراشه. فقد دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام علي (عليه السلام)، وأخبره بخطّة قريش، وبهجرته إلى المدينة المنوّرة، ثم قال له: (يا علي، إنّ الروح هبط عليّ بهذه الآية آنفا، يخبرني أنّ قريش اجتمعت على المكر بي وقتلي، وأنّه أوحي إليّ عن ربّي عزّ وجل أن أهجر دار قومي، وأن انطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، وأنّه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي ومضجعي، لتخفي بمبيتك عليه أثري، فما أنت قائل وصانع)؟ فقال علي (عليه السلام) : (أو تسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله)؟ قال: (نعم)، فتبسم علي (عليه السلام) ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لما أنبأه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سلامته 

ثم نزل قوله عز وجل في حق علي (عليه السلام): (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أوّل الليل، والرصد من قريش قد أحاطوا بداره، ينتظرون انتصاف الليل ونوم الأعين، فخرج (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ قوله تعالى:  (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون ) .وأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بيده قبضة من تراب، فرمى بها على رؤوسهم، فما شعر القوم به حتّى تجاوزهم، ومضى إلى غار ثور..

 لما اقتحمت قريش دار النبي (صلى الله عليه وآله)، وهم شاهرون سيوفهم، وتهيج منهم رائحة الحقد والخبث والدناءة،فنهض الإمام علي (عليه السلام) من مضجعه في شجاعته المعهودة بوجوههم الإجرامية، فارتعد القوم وتراجعوا.

فلمّا عرفت قريش فشل خطّتها خرجت في طلب النبي (صلى الله عليه وآله)، فعمى الله أثره، وهو نصب أعينهم، وصدَّهم عنه، وأخذ بأبصارهم دونه، وهُم دهاة العرب، ثم بعث الله العنكبوت، فنسجت في وجه الغار فسترته، وبعث الله حمامتين فوقفتا بفم الغار، فأيَّسهم ذلك من الطلب .

فقد كانت هجرة النبي في اليوم الاول من شهر ربيع الاول عام 13 للهجرة وكان وصوله (صلى الله عليه وآله) إلى يثرب التي سُمِّيَت فيما بعد بالمدينة المنوَّرة في 12 ربيع الأوّل.

وبعد أن استقرَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنوَّرة، كتب إلى الإمام علي (عليه السلام) كتاباً أمره فيه بالمسير إليه فخرج الإمام علي (عليه السلام) من مكّة بركب الفواطم، متَّجهاً نحو المدينة، ومعه فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأُمّه فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها)،  وفاطمة بنت الزبير، فلحقه جماعة متلثَّمين من قريش، فعرفهم الإمام (عليه السلام) وقال لهم: (فإنِّي مُنطَلِق إلىابن عَمِّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيثرب، فمن سَرَّه أن أفري لحمه وأُهريقَ دمه فَلْيتَعقبني، أو فَليَدْنُ منّي

ثم سار الإمام (عليه السلام) وفي كل مكان ينزل كان يذكر الله مع الفواطم قياماً وقعوداً، وعلى جنوبهم، فلما وصلوا المدينة نزل قوله تعالى:  (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) .فقرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الآية عليهم، فالذكَر هو الإمام علي (عليه السلام)، والأنثى هُنَّ الفَواطِم، ثم قال (صلى الله عليه وآله) للإمام علي (عليه السلام): (يَا عَلي، أنتَ أوَّل هَذه الأُمّة إيماناً بالله ورسُولِه، وأوّلهم هِجْرة إلى الله ورسُولِه، وآخرهم عَهْداً برسولِه، لا يُحبّك ـ والَّذي نَفسي بِيَده ـ إلاَّ مُؤمِن قَد امتحنَ اللهُ قلبَه للإيمان، ولا يبغضُكَ إلاَّ مُنافِق أو كَافِر).وبمناسبة مبيته (عليه السلام)  في فراش النبي (صلى الله عليه واله) قد قال الإمام علي (عليه السلام) شعراً في المناسبة يذكر فيه مبيته على الفراش، ومقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار ثلاثاً:

وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

رسول إله الخلق إذ مكروا به ** فنجّاه ذو الطول الكريم من المكر

وبات رسول الله بالشعب آمناً ** وذلك في حفظ الإله وفي ستر

وبت أراعيهم وهم ينبؤني ** وقد صبرت نفسي على القتل والأسر

أردت به نصر الإله تبتلا ** وأضمرته حتّى أوسد في قبري .

 

 

المزيد في من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان
Powered by Vivvo CMS v4.9