يتناول السيد الشهيد (قدس) في كتابيه (فلسفة الحج), و(فقه الاخلاق) الجزء الثاني من كتاب الحج, الابعاد المترتبة على فريضة الحج كما كل العبادات والفرائض الاخرى, في كتاب فقه الاخلاق عل وجه العموم, وفي عبادة الحج ,في كتاب فلسفة الحج على وجه الخصوص , ولقد امتد افق السيد الشهيد (رض) بإعطاء تلك الابعاد الى عدة مستويات وقد كشف (قدس) عن بعدين من الابعاد فيما يخص ركن (الوقوف في عرفة والمشعر ) في هذين الكتابين العظيمين وهما البعد الاجتماعي والبعد الاخلاقي ونبتدأ في كتاب فلسفة الحج كونه كتاباً مختصاً فيما نحن فيه من موضوع .
يبتدأ السيد الشهيد (رض)(1) من منطلق ان الاوامر والتكاليف الشرعية لم تأت عن لغو وشطط بل جاءت على طبق حكمة ومصلحة يستفاد منها العبد وان الله تعالى غني عنها ,من هذا المنطلق ابتدأ رضوان الله تعالى عليه في بحث تلك المصلحة المترتبة على الاحكام الشرعية من الاوامر والنواهي , وقد قسم (قدس) تلك المصلحة الى :
اولا :مصلحة او مفسدة مترتبة على الامر ,او النهي هي في نفس الفعل المأمور به او المنهي عنه ,واكيدا ان هذه المصلحة و المفسدة تعود الى العبد الطائع او العاصي ,وقد اشار (رض) الى ان تلك المفاسد والصالح قد اخذها الله تعالى في نضر الاعتبار في تشريعه وقد ابلغ ما يترتب عليها من احكام بواسطة انبيائه ورسله ولم يبلغ ويخبر عن تفاصيل تلك المصالح والمفاسد كما ان كل مقنن لم تكن من وظيفته ان يكشف عن المصالح والمفاسد الحقيقية للقانون الصادر ,وقد ذهب السيد الشهيد (قدس) - وباعتبار اعتقادنا بان الله تعالى عالم بالعلم المطلق بجميع المصالح والمفاسد – الى اننا قاصرون عن الاحاطة بكل التفاصيل من المصالح والمفاسد فقال قدس سره ما نصه (ومن هنا قد لايمكن للإنسان - وهو المحدود القاصر - أن يطلع على التفاصيل الكبيرة للمصالح الأساسية التي أخذت بنظر الاعتبار في التشريع الإلهي الإسلامي ،بل قد يلتفت إلى بعض تلك المصالح وتفوت عن ذهنه جملة منها، فلا يفهم أن هذا التشريع أو ذاك مجعول على طبق أي مصلحة.
ونحن بعد علمنا بأن الله خالقنا وموجهنا وقائدنا ، وإنه لا يريد لنا إلا الخير والعدل والنظام في تشريعه وتكوينه فلا ضرورة لأن نتجشم عناء البحث عن المصالح الكامنة في تشريعه ، بل لنا أن نطمئن سلفاً إلى العدل الكبير والخير العميم الذي سوف يعمنا لو طبقت التعاليم الإسلامية بكامل تفاصيلها ، ولا تحتمل وجود الظلم أو الضرر في الشريعة إلا ما كان وارداً علينا من أنفسنا ومصالحنا الخاصة ، مما يكون التشريع منزهاً عنه .
إلا أننا - إذ نكون بصدد البحث عن هذه المصالح - قد نوفق إلى نعمة الاطلاع على بعضها فنشكره تعالى على توفيقه ، وأخرى نكون قاصرين عن إدراك ذلك فندعوا الله قائلين :رب زدني علماً (2).
ثانيا :ان تكون المصلحة في نفس الامر بمعنى ان الفعل نفسه يخلو من المصلحة و المفسدة وانما المصلحة والمفسدة تكمن في طاعة العبد و عصيانه قال (قدس) :( أن تكون المصلحة في نفس الأمر لا في المأمور به .
وذلك لأن الله تعالى أمر ببعض الأفعال لا لخصوصية فيها أو لميزة بها، وإنما يريد الله عز وجل أن ينظر إلى مدى طاعة عباده له ومقدار انقيادهم لتشريعه وامتثالهم لأوامره ،فيختار فعلا - مما لا ضرر فيه - فيأمر به متوخيا ذلك الغرض ، وهو معنى أن المصلحة تكمن في نفس التوجيه الأمر المكلف لا المأمور به .)(3). وقد اشار (رض) الى عدة مصاديق من هذه التكاليف والاحكام الشرعية فقال ) ولعل من ذلك عدد ركعات الصلوات اليومية ، وأوقاتها، وفي الحج - الذي نحن بصدده - عدد أشواط الطواف والسعي وعدد حصيات الرمي وعدد الجمرات الثلاث ،وبعض الأحكام الأخرى ، والله العالم بحقائق الأمور .)(4).
ونوه (رض) (5). الى اننا ان كنا جاهلين بمصلحة فلابد ان نكون حذرين بالجزم بادراج المصالح في القسم الاول او الثاني فلعل المصلحة او المفسدة تكون في الاول ونحن نتخيلها في القسم الثاني وبالعكس وبذلك نكون مفترين على سبحانه وتعالى ,وكذلك نوه (رض)على اننا يجب علينا ان لا ننكر بعض المصلالح والمفاسد بمجرد كونها تناقض مع مصالحنا الشخصية ومجتمعنا وتقاليدنا ولهذا اشار (قدس) الى ان المصالح على امرين
أحدهما :
تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ،الأمر الذي يقره العقل وسائر القوانين ، وليس أن القانون ذا ناقض المصلحة الخاصة كان خاطئاً أو ظالماً، إن كان موافقاً للمصلحة العامة .
ثانيهما :
تطبيق جميع الأحكام الإسلامية دفعة واحدة في مجتمع معين لكي يكون المجتمع الإلهي العادل الأمثل . وفي مثل ذلك المجتمع سوف لن توجد غالب الأحاسيس التي نحسها تجاه إطاعة الأحكام الشرعية وتجاه مصالحها ومبادئها ونتائجها ، مما نحسه ونحن نعيش في مجتمع منحرف قد طبق بعض الكتاب وكفر ببعض ، فإن المصالح تكون في ذلك المجتمع الأمثل أوضح ومنافياتها الظالمة من التقاليد والمصالح ونحوها اقل بكثير إلى حد لا يكون محل مقارنة وقياس (6).
وبعد هذه المقدمة يعرج السيد الشهيد قدس سره الى تقسيم المصلحة الى قسمين
القسم الاول : المصالح المتوخاة في الحج كوظيفة اجتماعية موحدة منظوراً إلى أفعاله على وجه المجموع لتكوّن العمل الإسلامي الواحد المسمى بالحج .
القسم الثاني : المصالح المتوخاة من وراء كل فعل من أفعاله إذا نظر إليه بحياله ، لكن كجزء من الفريضة الكبرى (7) .
ومن جهة اخرى قسم السيد الشهيد (قدس) المصالح العامة الى ناحيتين
الاولى: أن بعض هذه المصالح شخصي وبعضه اجتماعي . فما كان منها اجتماعياً فهو يفيد الأمة الإسلامية بشكل مباشر كما هو واضح , وما كان منها شخصياً , فهو يفيد الأمة عن طريق صياغة نفس الفرد وتربيته وإنشاء الشخصية الإسلامية العاملة المتكاملة من جميع الجهات , لتكوّن العضو البنّاء المساهم في خدمة المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية .
الثانية إن بعض هذه المصالح حسي مباشر وبعضها رمزي . فما كان حسياً مباشراً ترتب عليه أثره الشخصي أو الاجتماعي بشكل واضح , وما كان منه رمزياً فإنه حلقة واحدة من حلقات , وفرد يمثل أفراداً وعمل ينتج أعمالاً , كما نقول في الدينار الورقي , إنه يمثل الدينار الذهبي , أو نقول في الفرد أنه يمثل الجمعية ونحو ذلك من الأمثلة (8) :
وبعد هذه التقسيمات يعمد السيد الشهيد في كتاب فلسفة الحج الى ذكر المصالح العامة المترتبة على فريضة الحج وقد عدها بما يصل الى عشرة مصالح وما يهمنا من تلك المصالح هو المصالح التي تتعلق بأفعاله الخاصة وبالخصوص ما كان يتعلق بعمل (الوقوف في عرفة ) كما في العنوان
قال السيد الشهيد محمد الصدر (رض) في كتاب فلسفة الحج
الموقفين :
موقف الحجاج في عرفات وموقفهم في المشعر ، وهما يعطيان شعوراً موحداً, ورمزاً مشتركاً , وفي تكرار هذا الشعور مزيد من التأكيد على أهمية وترسيخ فكرته في نفوس المسلمين ... إن هذا الموقف هوالفرصة الأساسية لإطلاع كل فرد من الحجاج على إخوانه في الله والمساهمين معه في إجابة ندائه .. فإن الحاج في سائر أعماله – عدا الموقفين – لن يستطيع أن يحتك بهذا الجمع الغفير ويحس عن قرب بالعدد الضخم المتلاطم العامل في سبيل إطاعة ربه وإداء فريضة حجه . إن الحجاج يكونون عادة ، في العمرة ، وفي الطواف وفي السعي ، وفي رمي الجمرات ، وغيرها من الأعمال . متفرقين مشتتين ، لا يؤدون العمل في زمان واحد ولا يجتمعون على صعيد واحد ، إلا في أرض عرفات وأرض المشعر .. فما هو شعور المسلم عند مواجهة إخوانه , وما أعظم الإسلام وما أكبر ندائه الذي يستطيع أن يجمع هذه الآلاف في هذا العام وفي كل عام. وما أعظم الأخوة التي تشد بعضهم إلى بعض بالرغم من تباعد البلدان وتشتت اللغات . إنها أخوة الهدف والعمل . أخوة الإيمان والعقيدة وهي أقوى الأخوات وأرسخها في منطق البشرية والتأريخ ( أخوان لي عن اليمين ، وأخوان لي عن اليسار ، كلهم لا أعرفهم ، ولكن أحد منهم ليس غريباً عني . فنحن في فرحة سباقنا المضطربة جسمٌ واحد يسعى إلى هدف واحد إن العالم أمامنا فسيح ، وفي قلوبنا تتألق شرارة من النار التي اشتعلت في قلوب صحابة النبي ( ص ) إنهم يعرفون . إخواني عن يميني وإخواني عن يساري أنهم قد قصروا عما كان ينتظر منهم ، وأن قلوبهم قد تضاءلت عبر القرون ومع ذلك فإن وعد الله الحق لم ينتزع منهم .. منا وما أثمن هذه الأرض المقدسة التي شهدت جهود النبي ( ص ) وأصحابه وابتهالاتهم الصادقة الخالصة , وشهدت ابتهالات القرون المتوالية وجهودها المتواصلة. ولو كان الموقف واحداً لأعطى بنفسه هذا الرمز الكبير وهذا الإحساس الإسلامي العميق , ولكن المسلمين في هذا العام وفي كل عام ، لا يقتصرون على التجمهر في عرفات بل يدفعهم النداء الإلهي إلى الإسراع في خلال الليل البهيم ليلبوا الواجب المقدس في أرض المشعر , لكي يعطوا تأكيداً جديداً للإحساس الإسلامي العميق ولكي يجددوا بابتهالاتهم المتصاعدة الأمل الكبير في غفران الذنوب وستر العيوب وحل المشكلات (9) .
فانضر وتأمل الى حجم المصلحة العامة الناتجة عن هذا الركن المقدس – الوقوف في عرفات – وارجع بفكرك الى الاصوات النشاز التي تريد فك وحلحلت هذا النتاج الشريف الذي يهدف الى رص الصف وتوحيد العبادة والكلمة وخلق مجتمع موحِد وموحَد ومؤتلف , فاين هم من مصالح السماء العليا وهل هم الا مفسدون ؟!
هذه المصلحة التي يتطرق اليها السيد الشهيد (رض) هي المصالح العامة الاجتماعية لركن الوقوف في عرفة والمشعر اما المصالح الاخلاقية فقد ذكرها (قدس) في كتاب فقه الاخلاق قائلا : أقول : هذا من ناحية إجتماعية ، وأما من ناحية أخلاقية فهو أوضح أيضاً . بعد الالتفات إلى عدة مقدمات :
أولاً : إن الأراضي أو المناطق التي يحصل فيها الاجتماع في الحج هي مقدسة وكل أرض مقدسة يمكن نسبها إلى الله سبحانه فهي أرض الله ، كما في الزيارة : السلام عليكم يا أمين الله في أرضه . وقال سبحانه:
﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ ، إذن فالاجتماع على أرض الله وليست على أرض اعتيادية أو ظلمانية .
ثانياً : إن الاجتماع يحدث تجاوباً نفسياً وعقلياً عالياً كما ذكرنا في فصل صلاة الجماعة من هذا الكتاب . وهذا التجاوب يكون حاصلاً ، ما دام النطق مسموعاً بلحاظ الحال أو بلسان المقال . وهذا التجاوب يؤثر في الإعانة على طاعة الله سبحانه وفي الترقي في مقامات التكامل لمن كان قابلاً لها ومستحقاً .
ثالثاً : إن تعدد البقاع أو المناطق ، يعبر عن تعدد مقامات الكمال ، ولا شك أن هذا حاصل لكل واحد سواء قصدنا الكمال السيء أو الكمال العادل ، وسواء قصدنا التكامل الواطئ أم التكامل العالي . كل ما في الأمر أنه ما دامت هذه الأراضي مقدسة ومنسوبة إلى الله سبحانه ، فهي تمثل مرحلة عالية من الكمال العادل لا محالة .
ونلاحظ أن من لم يكن مستحقاً لمثل تلك الدرجة ، لم يكن فيها ، فقد يستطيع الذهاب إلى واحدة وتتعذر عليه الأخرى ، فيتعذر حجه ويبطل . إلاّ أن يعمل له العمل المناسب له والذي يبلغ به درجة الاستحقاق ، الذي هو معنى السفر من بقعة إلى بقعة من تلك البقاع المقدسة .
أما ترتيب تلك البقاع فهو عرفات أولاً ثم المشعر ثم منى ، كما هو معروف . وعلى ذلك فمتى تكون بمنزلة الخلاصة والنتيجة للموقفين السابقين عليها . وإذا حصلت النتيجة انتهى السفر كما قال الشاعر :
وألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر
وإذا حصلت النتيجة وانتهى السفر ، كان هناك أمران :
الأمر الأول : أن لا حاجة إلى الإحرام ، بعد انتهاء العمل بل ينبغي التحلل منه والتخلص منه .
الأمر الثاني : أن يوم حصول النتيجة يوم عيد لا محالة ويوم راحة بعد تعب ويوم لذة بعد شقاء ، ويوم لقاء بعد فراق . وهو عيد الأضحى الذي تشرق فيه شمس الكمال في ضحاها على الأرض والسموات .
فهذا ترتيب هذه البقاع وأما معانيها الأخلاقية التفصيلية ، وما تعبر عنه كل بقعة ، من درجة من الدرجات . فهذا ما يمكن أن نعرضه كأطروحة مختصرة .
وهي أن عرفات من المعرفة والمشعر من الشعور بالذات ومنى من المنية وهي حصول ما يتمناه الفرد السالك في طريق الكمال . ولذا كان فيها عيد وفيها انحلال الإحرام (10) .
1- فلسفة الحج ص1 بتصرف
2- فلسفة الحج ص1
3- فسلفة الحج ص2
4- المصدر نفسه ص2
5- نفس المصدر بتصرف
6- فلسفة الحج ص3
7- نفس المصدر
8- فلسفة الحج ص3
9- فلسفة الحج
10-فقه الاخلاق الجزء الثاني ص 145-146