الرئيسية | | من وحي الذكرى | الجزء الأول من شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس

الجزء الأول من شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس

عدد القراءات : 70666

 المكتب الخاص / النجف الاشرف 

(خُطَ الموتُ على وِلدِ آدمَ.....)

في هذه الخطبة اريد أن اتعرض لخطبة الحسين (سلام الله عليه) في المدينة : (خط الموت على ولد ادم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما اولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف. وخِير لي مصرع انا لاقيه …إلى أن يقول : رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين)

((خط الموت على ولد ادم مخط القلادة على جيد الفتاة)) وهذا بالمقدار الذي أراد بيانه، وإلا فالأمرأوسع من ذلك لأنه في القرآن يقول ((كل نفس ذائقة الموت)) يعني من انسان وحيوان وجن وملائكة كلهم يموتون. اليس سمعتم في الرواية أن أهل الارض يموتون وان اهل السماء لا يبقون ؟والملائكة والجن ايضا لهم نفوس والقاعدة القرآنية تعطينا ماذا ؟ كل ((نفس ذائقة الموت)) في حين أن الحسين (سلام الله عليه) يقول (خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة) يعني يتكلم عن خصوص البشرية ولا يتكلم عن غيرها، ليس معناه ان غيرهم لا يموت لا، وانما مقصوده التعرض إلى خصوص البشرية التي هو منها والسامعين منها وهذا يكفي.

كما أن مخط القلادة على جيد الفتاة امر تقريبي وتعبير أدبي. وإلا فهو ليس بأمر دائم، لأن كثيرا من النساء لا يلبسن القلائد لفقر او غيره مع إن الموت عام للجميع. إلا إن يراد موضع القلادة يعني أسفل الرقبة فيكون ملازما مع خلقة الانسان كملازمة الموت له.

وذكر الموت نافع في الهمة لطاعة الله تعالى والاعراض عن الدنيا لأن الدار الموقتة لا تكون مهمة. وما هي الدار الموقتة ؟ الدنيا. وما هي الدار الباقية ؟ طبعا الآخرة اكيدا. يعني معناه أن نسبة الواحد الى ما لا نهاية نسبة الصفر كأن الدنيا لا وجود لها وإن توهمنا لها وجود. ونحن انما نهتم بأمر لا اهمية فيه. قال امير المؤمنين (سلام الله عليه) : لو (جدتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز)). انت انظر بحدسك الآن كل واحد يرجع الى نفسه : عفطة العنز كم قيمتها ؟ كم فلسا تعطي حتى يسمعك عفطة ؟ قيمة عفطة العنز دون الصفر. قيمتها سلبية لو امكن وليست ايجابية اصلا ولا فلس. وانما مليون بالمئة تحت الصفر يعني بمعنى انني اعطي فلوس في سبيل  ان لا تعفط العنزة. اذن ينبغي ان اعطي فلوس في سبيل أن اتخلص من الدنيا. ازهد عندي من عفطة عنز احقر من عفطة العنز. محل الشاهد اننا نتكالب ونتقاتل على شيء خالي من الاهمية بالمرة. القرآن ماذا يقول ((وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لوكانوا يعلمون)) أي أنها هي الحياة الحقيقية، يعني أن الدنيا ليست حياة بالمرة، والآية الكريمة فيها حصر مؤكد فمن هذه الناحية معناه ماذا ؟ معناه انه بالمفهوم ان غير الدار الاخرة طلاقا لا حياة فيه وان تخيلنا فيه حياة وتوهمنا ان فيه حياة.

ثم قال (وما اولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف) والمفهوم العرفي تلك الفقرتين هو الشوق الناتج من الحب الأسري. وحاشا المعصومين من ذلك وكذلك حاشا الانبياء من ذلك، لأنه يقول اشتياق يعقوب إلى يوسف. أنا اقول هذا اشتياق ليس اسريا لا في يعقوب ولا في الحسين، واعطيك المبرر الرئيسي في يعقوب وانت عليك أن تجد المبرر في الحسين (سلام الله عليه).

اما يعقوب فقصته معروفة ومروية على ما ببالي بحسب المضمون : انهم كانوا يأكلون شاة هو واولاده في بعض الليالي فمر عليهم فقير فمنعوه وصرفوه، فصب عليهم الله العذاب صبا. لأنه اذا صدق السائل هلك المسؤول. ولو سائل لمرة واحدة. والسائل ايضا "لألفات النظر" ليس مختصا انه تعطيه فلوس. قد يريد منك مسألة شرعية، قد يريد ركضة،[1] قد يريد حاجة معنوية قد يريد منك فلوس، أي شيء محتاج وهو مستحق اذن تعطيه، "اذا صدق السائل هلك المسؤول" اذا لم تعطه فالله فوق رأسك وجهنم تحت رجلك بما فيهم سيد محمد الصدر وليس الاخرين. اما سمعتم اعظكم ونفسي بتقوى الله وليس اعظكم فقط اني (خوش آدمي)[2]وانتم (مو خوش اوآدم)[3]. اول من ينبغي ان يكون خوش آدمي وهو فعلا (مو خوش آدمي) هو سيد محمد الصدر ((لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا)) لماذا ؟ لأن الاخطبوط وهو النفس الامارة بالسوء متلبسة من حد الرأس إلى اسفل القدم، فكيف يكون (خوش آدمي) إلا بتسديد من الله وتوفيق من الله لو اوكلت إلى نفسي فشلت بالآن واللحظة وصرت أنجس الخلق على الاطلاق.

فصب عليهم الله العذاب صبا حتى صار مضربا للمثل مصائب كمصائب ال يعقوب وكان يعقوب يعلم من لطف الله سبحانه انه اذا حصل الغفران زال البلاء. ومن هنا بكى او بكي من الذنب حتى ابيضت عيناه ويقول اعلم من الله ما لا تعلمون يعني اذا غفر الله له ازال بلائه الدنيوي، فهو يطمع بغفران الله له لكي يزول بلاءه الدنيوي، او يكون زوال البلاء الدنيوي علامة على رضا الله سبحانه وليس لمجرد الاشتياق الى يوسف اطلاقا.

واما اشتياق الحسين (عليه السلام) الى اسلافه وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن (عليهم السلام) فلم يكن مشتاق الى اشخاصهم او قراباتهم. وانما يشتاق باعتبارات اخرى باعتبار صلاحهم وعظمتهم و مقامهم العظيم عند الله، او يشتاق الى مقامات ارواحهم العليا ليلتحق بهم لأن له مقامات عليا في الجنة لا ينالها الا بالشهادة يكون فيها ملتحقا بأسلافه (سلام الله عليهم).

 

 



[1] كلمة عامية تعني السير او السعي مع الشخص الاخر.

[2] مصطلح عامي تعني انسان جيد.

[3] مصطلح يعني اناس غير جيدين.

 
المزيد في من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان