المكتب الخاص/ النجف الاشرف
((خُط الموتُ على وِلدِ آدمَ ......))
يقول سلام الله عليه كما في الرواية : (فيملأن مني اكراشاً جُوفا وأجرِبةً سغبا).
انا اود ان اعطي هذه الكلمات نطقها اللغوي، لان الخطباء على ما انا سامع منهم كثيرا يقرأوها بشكلين او ثلاثة لا يعلمون ما هو الصحيح : يقرأونها جُوفا وجَوفا وجِوَفا على خربطة عجيبة.
في الحقيقة هذا فيه احتمالان انا حسب فهمي لا ثالث لهما :
الاحتمال الاول: ان يكون اصلها جَوفاء ولكن حذف الهمزة من اجل نحو من السجع. لأنه يقول (جوفا واجربةً سُغبا) فلأجل المماثلة بين اللفظين حذف الهمزة. فاصلها جَوفاء، فبدون الهزة تكون جَوفا ليس شيئا آخر بحسب هذا الاحتمال.
الاحتمال الآخر: الذي هو ايضا راجح، ان تكون جُوفا. جُوف جمع اجوف كعور جمع اعور (كول لا سبحان الله !). فيراد بها الجمع (فيملأن مني اكراشا جُوفا واجربةً سُغبا). والسَغِب : الجوعان، والسُغْب جمع سَغِب او ساغِب وهو الجوعان. والكرش معروف المهم أنه كلتا اللفظتين او كلتا الجملتين تشيران إلى المعدة وان معدهم جَوفا وجوعانة او هم جوعانون. (فيملأن مني اكراشاً جُوفا). الكرش هو المعدة. والاجرِبة ايضا جمع جُراب وهو الكيس الكبير الذي يكون من القماش او الجلد، ويعبر به هنا مجازا عن المعدة ايضا فيكون من قبيل الايضاح والتكرار بهذا المعنى.
في الحقيقة احد هذين اللفظين دال على الجوع بوضوح بالدلالة المطابقية. لان سَغِب يعني جوعان (اجربةً سُغبا) أي بطون جوعانة.
(اكراشاً جُوفا)، جُوفا بالدلالة المطابقية ليس معناها جوعانة وانما جوفا يعني خالية، وطبعا المعدة حينما تكون خالية تكون جوعانة وهذا ايضا واضح.
ويمكن لاحظوا (وان كان تلك الاحتمالات أقرب) أن يكون جُوفا من الجيفة وهي النتن، لأن الاكراش الجائفة والمنتنة حيث ان اكراشهم جائفة ومنتنة لأن من يأكل الحرام ويظلم الآخرين ويسطو على حقوق الغير وعلى أموال الغير تقول : أن معدته منتنة وجائفة. فهؤلاء اعداء الحسين (سلام الله عليه) هكذا طبعا ظلمةومعتدين فهم يأكلون الحرام، إذن فبطونهم جائفة ومنتنة بطبيعة الحال. وسبحان الله ينبغي أن نتذكر قول أمير المؤمنين (سلام الله عليه) عن وصف الأنسان الذي ماشي بـ(الكشخة)[1] و(الفخفخة)[2] والـ(أنا أنا)[3]ماذا وصفه ؟ (أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وما بينهما يحمل العذرة). وفي رواية أخرى اذا كنت اتذكرها انه ما مضمونه اعجبوا للإنسان ينطق بلحم ويسمع بعظم وينظر بشحم ويتنفس من خرم، تبارك الله احسن الخالقين جل جلاله.
هنا سؤال يأتي أن الحسين (سلام الله عليه) قال: (فيملأن مني اكراشاً جُوفا واجرِبةً سُغْبا) ولم يحصل ذلك أي لم ينل من جسده الشريف أحد شيئا، لا الوحوش الحقيقية ولا الوحوش البشرية التي هي اسوء من الوحوش الحقيقية. فكيف يقول (سلام الله عليه) (فيملأن مني اكراشاً جُوفا واجرِبةً سُغْبا) ؟
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنه لم يقل فيملأن من اعضائي، لا، ـ وانما فيملأن مني، لم يقل فيملأن من اعضائي كما قال اولا (كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات). كأنما فيملأن من اوصالي . لا، وانما يملأن مني فقط. يعني من وجوده ككل وليس من اوصاله واعضاء جسده، حتى يتسجل السؤال : أنه لم يؤخذ من اعضاء جسده شيئا يقول ذلك. لا، وإنما من كيانه المعنوي وليس من جسده المادي.
والجوع المذكور في السياق واضح أنه لا يراد به الجوع حقيقة وفراغ البطون حقيقة وأنما يراد به الحاجة النفسية أو الدنيوية ألتي كانت لأعدائهابتداءا من يزيد الخليفة الأموي إلى عمر بن سعد أو غيره الموجودين بإزاء الحسين وأمام الحسين ومواجهة الحسين في الطف. فكان الجوع هذا الجوع المعنوي الطمع بشأن الحسين وبدنيا الحسين بهذا الشكل. فكان الجوع حاجة في نظرهم لعنهم الله حاجة يكون دواؤها وشفاؤها وقضاؤها بقتل الحسين (سلام الله عليه) والسيطرة عليه بهذا الشكل، وليس بأكل الطعام وليس بأكل الاجساد طبعا.وهي طبعا حاجة ضالة ودنيوية وشيطانية وآثمة وظالمة. يكفي أن نلتفت أن حاجة يزيد وعبيد الله بن زياد هو سحق المعارضين لبني امية بما فيها المعارضة المهمة التي كان يمثلها الحسين (عليه الصلاة والسلام)، وحاجة عمر بن سعد ما هي حاجة عمر بن سعد ؟ ملك الري (وملك الري قرة عيني)،[4] فيقتل الحسين (عليه السلام) من أجل هذا الطمع العجيب الغريب الذي (يقولون إن الله خالق جنة ونار وتعذيبٍ وغل يدين). يحتمل أنه صحيح ويحتمل أنه باطل، فالرجل غير مسلم، يشك في الإسلام وفي يوم القيامة. ولولا أنه يشك في الاسلام ويوم القيامة ما فعل افعاله الشنيعة، (يا خيل الله اركبي ودوسي جسد الحسين)! لا، خيل الشيطان حبيبي وليس خيل الله، لو كانت خيل الله لقبلت جسد الحسين ولخشعت على جسد الحسين (سلام الله عليه). حبيبي .. لو كان هناك جسد حيوان لما كان من الانسانية ان يوطأ الخيل وان تدوس عليه الخيل والارجل فضلا عن انسان فضلا عن امام مفترض الطاعة. جريمة نكراء لا مثيل لها في البشرية. مع ذلك هو قام بها عن طواعية وفكر بها وقتيا. يزيد وعبيد الله بن زياد لا يدرون بها هو المسؤول فقط عنها. (يا خيل الله) تشجيعا لهم من باب (شيم المعيدي وخذ عباته)، والا هم يعلمون وانا قلت قبل قليل انهم يعلمون إن الحق مع الحسين (عليه السلام) حتى انهم يعتقدون ان الرؤوس لاتنتن، معنى ذلك أن طرف الحسين ومعسكر الحسين هو المحق وهم يدرون بذلك مع ذلك يقول لهم (يا خيل الله اركبي وابشري بالجنة) !! وتوجد في الرواية أنه دمعت عيناه حينما رأى الحسين مسجى، دموع التماسيح لعنه الله وقبحه.
الشيء الآخر انه بحسب النتيجة التاريخية (أنا اقولها مختصر واعتقد أني قد أطلت عليكم لكنه لا بد من انهاء هذا الموضوع ولو باختصار) لم ينل الجيش الظالم في كربلاء اي شيء من اطماعه الدنيوية. فعمر بن سعد قُتل (املاء ركابي فضة وذهبا إني قتلت الفارس المحجبا قتلت خير الناس اما وابا)[5]، أتدري انه خير الناس وقتله ؟! إذن لا اعطيك ولا فلس فقتله. فهل نقول هنا : جزاه الله خيرا ؟ نعم ما فعل حين قتله. محل الشاهد ولا واحد منهم[6]، كلهم ظهر المختار وابادهم عن بكرة ابيهم جزاه الله خير جزاء المحسنين. ولم ينل احد مطمعه من قتل الحسين (سلام الله عليه) لأن الله تعالى انتقم منهم وبشر انتقام وباسرع انتقام سنة واحدة او سنة ونصف فاصل بين قتل الحسين وظهور المختار.
محل الشاهد هذا جوابه اكثر من وجه:
الوجه الاول: ان اهم حاجاتهم كانت هي الانتصار العسكري الدنيوي في الطف بقتل الحسين واصحابه وقد حصل وهذا كاف جدا حاجتهم التي طمعوا بها فوريا هي تلك. وهذا ما حصل فعلا. فملؤوا بطونهم الخاوية بهذا المقدار من السيطرة الدنيوية لو صح التعبير.
الوجه الثاني: انهم توهموا حين قتال الحسين انهم سوف ينالون خيرا دنيويا في المستقبل لعلهم يقضون حاجاتهم الدنيوية وشهواتهم الدنيوية، لكن الله تعالى حال بينهم وبين شهواتهم ونزواتهم وخلص المجتمع منهم في الحقيقة.
الوجه الثالث: انه ليس المقصود فقط (كما قلت اكثر من مرة) فقط الجيش المعادي الموجود في كربلاء، بل كل المقصود كل اعداء الحسين وعلى الاجيال المتعاقبة. واعداء الحسين على الاجيال المتعاقبة من الممكن ان (يملأن منه اكراشاً جُوفا واجربةً سُغْبا) حصلوا كثيرا جيلا بعد جيل وسوف يبقون يحصلون الى ظهور الامام القائم عجل الله فرجه وسهل مخرجه، لأنه ماذا ؟ (تمتلئ الارض ظلما وجورا فيملؤها قسطا وعدلا) اعتيادي ومعنى ذلك أن اعداء الحسين هم الذين يأكلون ويشربون. في الرواية أن الدجال حينما يظهر يكون معه (طبعا بشكل رمزي قد قالوه) جبل من الخبز وجبل من النار. طبعا الناس ينثالون على جبل الخبز فكل من اكل من جبل الخبز، من قبيل انه تألم واندحر وتنازل وعوقب، وكل من دخل جبل النار سُحب وكانت عليه بردا وسلاما. وهذا في كل جيل موجود بحسب معناه الرمزي حقيقي مائة بالمائة.
[1] كلمة عامية تعني الشخص الذي يعتني بهندامه بصورة كبيرة جدا.
[2] كلمة عامية تعني التبختر.
[3] كلمة عامية تعني ان الشخص يرى نفسه ذا اهمية كبيرة جدا.
[4] و20 و21مقولتان لعمر بن سعد عليه اللعنة.
[5] هذه مقولة لعمر بن سعد عليه اللعنة بعد قتله للحسين موجها كلامه الى يزيد بن معاوية عليه اللعنة.
[6] اي ولا واحد منهم نال شيئا من اطماعه الدنيوية.