المكتب الخاص/ النجف الاشرف
بمناسبة الحديث عن الاربعين يوجد هناك سؤال واشكال عن زيارة الاربعين بسيطا أردت أن اعرضه مع جوابه.
وذلك لأن الإشكال يقول إن الوفد الحسيني أو ما يسمى بسبايا الحسين (سلام الله عليه) ذهبوا إلى الكوفة ثم ذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إلى كربلاء ثم رجعوا إلى المدينة ولبثوا في ذلك أياماً طوالا ومع ذلك لم تستغرق المدة أكثر من اربعين يوما، فهل هذا معقول أو غير معقول ؟! ربما جملة من الناس يستبعدونه على أية حال. فهذا سؤال عرض ولا زال معروضا أود تسجيله مع الجواب عليه ولو باختصار نسبيا.
وجواب ذلك يكون بوجوه إذا صدق واحد منها كفى في رد الشبهة فان صدقت كلها فبها ونعمت:
الوجه الأول: أنه من الصحيح ان الشام وهي منطقة دمشق الحالية تبعد عن كربلاء حوالي الفين من الكيلومترات، إلا اننا لا نقدر، هذا المستشكل في الحقيقة لايقدر سرعة الأفراس والإبل التي كانت تستخدم في تلك العصور. نحن نتصورها بطيئة وابطأ مما هي عليها حقيقة، في حين أنها يمكن أن تنجز سفراً معتداً به في مدة قليلة.
ويحسن بنا بهذا الصدد أن نلتفت إلى أمرين:
الأمر الأول: أن التحديد بمسافة القصر وهي ثمانية فراسخ والتي تعادل حوالي ثلاثا واربعين كيلومتراً، ورد في الروايات المعتبرة أنها المسافة التي تسير بها هذه الاحمال خلال اليوم. والمراد بهذه الاحمال طبعا في ذلك الحين سيارات وكوسترات[1] ما كان يوجد، فإنما يحملون على المطايا والافراس والابل. فكأنما من طلوع الشمس إلى غروبها تسير الإبل المحملة ثمانية فراسخ أو ثلاث واربعين كيلومتراً. كأنما مضبوط بحسب السند المعتبر وجعل مسافة للقصر الشرعي وفيها : أنه تسير هذه الاحمال لمدة يوم، راجعوا الوسائل فانه موجود فيها.
حينئذ يوجد التفات نظمه إلى ذلك وحاصله : أن الإبل الثقيلة المحملة تسير ثلاث واربعين كيلومترا أما الإبل الخفيفة التي يركب عليها انسان واحد أو انسانين ونحو ذلك وعليها هودج خفيف طبعا تسير أكثر اكيداً. فمن هذه الناحية ممكن أن تصل إلى خمسين أو ستين كيلومتراً في نهار وليس في أربعة وعشرون ساعة.
لاحظوا إذا ضممنا الليل إلى ذلك في الإمكان أن يصل إلى مائة أو إلى مائة وعشرين كيلومتراً.
معنى ذلك أن المطلب جدا صار سادة[2] ولطيف وذلك لأن الألفين كيلومتر حينئذ تقطع بأيام قليلة وليس بأيام كثيرة وبزمن مختصر وليس بزمن طويل. كما أن السبايا يسيرون بهم استعجالا، كان سيرهم حوالي مائة وخمسون كيلومترا في مدار الاربعة وعشرين ساعة ولعلهم لم يكونوا يستريحون إلا قليلا ولا ينامون إلا قليلاً. ومن هنا يمكنهم أن يصلوا بحوالي عشرة أيام إلى الشام لأن المسافة ألتي قدرناها هي الفي كيلومتراً، لو ساروا مائة كيلومتراً لوصلوها في عشرين يوماً ولو ساروا مائة وخمسون كيلومترا أو أكثر لوصلوها بحوالي اثنى عشر يوما ونحو ذلك.
فاذا كان عودهم من الشام يشبه هذه المدة فهذه حوالي خمس وعشرين يوما يقطعونها ويقضونها في الطريق، فقد بقي من الأربعين خمسة عشر يوماً يكونون قد قضوا بعضها في الكوفة وبعضها في الشام ولم يثبت وجودهم في الشام والكوفة أكثر من هذه الليالي القليلة.
الأمر الثاني: أن الركب عموما كان في حالة استعجال في ذهابه وإيابه فهم يستحثون الإبل والخيل باستمرار للوصول في أقرب وقت ممكن مما يقتضي تذليل المدة وتقليلها التي يقضونها بالطريق بطبيعة الحال إلى اقل مقدار ممكن. والغرض من الاستعجال في الذهاب يختلف عن الغرض في الاستعجال في الإياب، لأن الاستعجال في الذهاب كان برأي الجلاوزة الذين كانوا يحوطونهم وينقلونهم من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام. ماذا كان يفكر الجلاوزة في الحقيقة ؟ كانوا يفكرون أنهم منتصرين عسكرياً وهؤلاء سبايا وهؤلاء مندحرين عسكرياً، فكانوا يريدون أن يوصلوا خبر الانتصار المزعوم والمشؤوم إلى عبيد الله بن زياد بأسرع وقت ممكن وإلى يزيد بن معاوية (عليهم اللعنة جميعاً) بأقرب وقت ممكن. فمن هذه الناحية يستعجلون وعمر بن سعد يريد أن يكون والياً على البلاد التي وعد بها بأسرع وقت ممكن ونحو ذلك من الكلمات، إذن أرادوا الاستعجال في إيصال هذه السبايا إلى اعدائهم وإلى اعداء الله سبحانه وتعالى.
هذا الاستعجال في الذهاب،
اما الاستعجال في المجيء كان هذا باختيار الركب الحسيني (سلام الله عليهم اجمعين). حبيبي .. هم في أرض اعدائهم وفي بيوت اعدائهم وفي اعتقال اعدائهم يريدون أن يتخلصوا بأية لحظة يريدون ان يصلوا إلى موطنهم بأية لحظة وفي أسرع وقت حتى يتجنبوا الشر الذي وقعوا فيه لا اكثر ولا أقل. فهم يستحثون الإبل والأفراس بالإسراع إلى الكوفة ثم إلى المدينة، ومن هنا لا نستبعد أن يكونوا قد وصلوا في عشرة أيام أو اثنى عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً ونحو ذلك.
وينبغي هنا أن نلتفت إلى أنهم وصلوا في خلال اربعين يوماًإلى كربلاء وهذا معناه أن المسافة بين كربلاء والمدينة لم تكن قد دخلت في الحساب إنما وصلوا إلى كربلاء في اربعين يوماً وبقيت مسافة المدينة بعد ذلك وصلوا إليها من كربلاء إلى المدينة في مدة مجهولة على أية حال، قد تكون كثيرة وقد تكون قليلة المهم أنها غير داخلة في حساب الأربعين يوماً.
ولكننا لو تنزلنا عن هذا الوجه ولم نقبل به جدلا ولا موجب للتنزل عنه لأنه في نفسه صحيح ولا بأس به، إلا أننا في الحقيقة لو تنزلنا لأمكن الجواب بعدة وجوه أخرى منها:
الوجه الثاني: الوصول إلى كربلاء بالمعجزة بما يسمى طي الارض فأنها خصوصية موجودة لجملة من الأولياء والأوصياء والصالحين وهم أولى من يتصف بها ولعلها بمشيئة الله تحدث لأجل مصلحة خاصة أو عامة مربوطة بهم. ما ادرانا ؟ يكفي أننا نسمع في الرواية أنهم وصلوا خلال اربعين يوماً فلربما كان بطي الارض والاحتمال دافع للاستدلال.
الوجه الثالث: ما يقال عادة أننا الآن كأنما نبقي الاستبعاد فهذا الوجه الأول قلنا أنه صحيح إلا أنه يوجد هناك بعض الناس الذين يفكرون أنه بعيد وأن الإبل لا تصل خلال اربعين يوماً حينئذ يقول هذا القائل بجواب وهو أنهم وصلوا في أربعين الحسين بعد سنة واربعين يوما، وليس بعد اربعين يوما مباشرة من مقتل الحسين (سلام الله عليه)، هذا أيضا ممكن وان كان على خلاف ظاهر سياق الرواية إلا أنه بالتاريخ ممكن البناء عليه والاتجاه اليه.
وفي مفاتيح الجنان[3] يقول الشيخ عباس القمي (قدس سره) : اليوم العشرون ـ من صفر ـ هو يوم الاربعين يعني اربعين الحسين (عليه السلام) على قول الشيخين (يقصد الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي) وهو يوم ورود حرم الحسين (عليه السلام) المدينة عائدة من الشام (هو يقول الوصول الى المدينة وليس الى كربلاء في حين ان الرواية تنص على انهم وصلوا الى كربلاء وبقيت مسافة المدينة غير محسوبة كما اشرت قبل قليل) وهو يوم ورود جابر بن عبد الله الانصاري كربلاء لزيارة الحسين (عليه السلام) وهو أول من زاره ويستحب فيه زيارته (يعني زيارة الحسين (عليه السلام)). وعن الإمام العسكري (عليه السلام) قال علامات المؤمن خمس (سامعين بها اعتيادي منها زيارة الاربعين سبحان الله وفيها رواية) صلاة احدى وخمسين (يعني مجموع الفرائض والنوافل اليومية) وزيارة الاربعين والتختم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. اي في الصلاة الإخفاتية.
الآن كعبرة كل واحد منا أن يمكن يفكر في دخيلة نفسه أنه كم واحدة من هذه العلامات طبقَها ؟!، طبعاً هي علامات استحبابية وليست علامات الزامية أو وجوبية ولكنه مع ذلك أنت كمؤمن وأنا كمؤمن يرجح بنا أن نكون قد طبقنا هذه العلامات، اقرأها مرة ثانية، وانظروا اي واحد لا يقول للآخر وانما بينه وبين الله كم طبق هذا ؟ فاذا لم يطبق واحدة منها فليقدم توبته أمام الله وخشوعه وذله أمام الله وخجلته من الله سبحانه وتعالى.
فصلاة احدى وخمسين يعني أنت تصلي النوافل كلها إلى جنب الفرائض، فهل أنت ملتزم بهذا أم لا ؟
وزيارة الأربعين ليست قضية راجلين أو في السيارة أو باي طريق المهم أن تكون في حرم الحسين في يوم أربعينه هذا أغلب الناس طبعاً ملتزمين به جزاهم الله خيرا.
والتختم باليمين عقيق او شذر تلبسه في يمينك هذا ايضا مستحب. وتعفير الجبين ايضا مستحب وهل تعلم ما هو ؟ شوف[4] .. إذا وقع شيئا مثلاً مفتاح أو سبحة وقعت مني (ليس أنا وانما نموذج آخر من الناس) على الأرض، يتكبر أن ينحني ليحملها من الأرض. هو أعلى من أن يحني رأسه حتى لمصلحة نفسه ! شيء آخر نحن نركب بالسيارة ذاهبين راجعين يتكبر من أنه يلتفت أن إلى جنبه سيارة حتى يخاف منها هو أعلى من أن يخاف من شيء حتى من السيارة. فكيف يضع خده على التراب خشوعا لله سبحانه وتعالى ؟ لن يفعل ! قبحه الله بكل قباحته.
فهل سيد محمد الصدر وضع جبينه على التراب خشوعا لله سبحانه وتعالى ؟ وهل فعل واحد منكم ذلك ؟ كل واحد ليرجع بينه وبين ربه. وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حبيبي أمر رسول الله (صلى الله عليه واله) كما في الرواية بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لأجل اغاضة الكفار الذين كانوا يجيئون ويقعدون عنده فيسخرون منه ومن جماعته التي يصليها بالمسلمين فاذا صلوا إخفاتاً لم يسمعوا من كلامه شيئاًأما إذا جهروا (طبعاً الصلاة الجهرية يسمعون ولكن الصلاة الإخفاتية لا يسمعون) فأمره الله سبحانه وتعالى بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ارغاما للكفرة الفجرة عبدة الاصنام وعبدة الشهوات وعبدة الهوى وعبدة الدنيا.