المكتب الخاص / النجف الاشرف
في عمق الليل الموحش، يجول الحزن، وفي قعر سجون الطغاة، يتبتّل الأنين، حاملا بأكفه لذيذ المناجاة، أكف كأنها الشموس، ينبعث من أناملها نور الموالاة، تضيء في باطن الأرض، بوهج من التضحيات، ثم يرتفع صوت المظلوم متهجدا، ليقرع جدران السبات، فتخرج الجدران عن صمتها، لتعيد أصداء العشق، بنبرة الشوق والأمنيات. وتمضي سنين الشدائد، حبلى مثقلة بالهموم، تتقلب هونا في مطامير الظلم والظلمات، كأنها عقيم تريد الولادة، تتجرع آلام الطلق رغم اليأس بلا هوادة، تنتظر بلهفة صولة الفجر، عسى أن يحز بخيطه الأبيض ليل العتاة، لتشم عبق الحرية وتتذوق بحقها طعم الحياة. ويعود الألم بلا عذر، مصحوبا بسياط القهر، متوّجا بسلطان الغدر، فيضرب متون الأباة، ويغتصب بجرمه مسافات العمر، ثم يلقيها بزنازين جدرانها الصبر حتى الممات.
يا قائد ثورة الأحرار، اصطفت خلفك الأرواح، أفواج للمجد تحدوها، وفي سوح ليلك الاليل، تسير بهم كالنجوم نحو المعال، يحثون الخطى صوب السلام، يوقدون صبرهم مشاعل من النور، يعبّدون السنين معراجا للأجيال، يؤرخون بها تاريخ الكرامة، في زمن الحساب، و في ليل الغربة والظلمات، تنوح الأصفاد، ثم تتلوى خاشعة على الجسم النحيل، وفي رنينها أنين كأنين الثكالى، ولها دموع من الصدأ امتزج مع الدم المسال . أقسمت قوافل الأحرار أن يبقى كاظم الغيض نبراسها، وزعيمها في صولة الاقتدار، ليطوون آلامهم بسواعد الصبر، ويضمدون الجراح بقيام الليل والابتهال، ويلقون بأعباء الزمن، بالبوح بمكنون القلب لله الواحد القهار، أحرار قد جعلوا من جدران السجون، خرائط لدنيا الشرف، ترسم طريق المعالي، ويبقى ابن جعفر نبراسا لمسيرة الأحرار، سائرا منذ الأزل يحمل بيمينه راية التضحية، وبشماله مشعل الآمال. يا راهب بني هاشم، لم تزل وحيدا في غياهب السجون، تنهش أيامك مخالب الحقد، وتغرس أنياب البغض بقلب الصبر، ولم تزل تفترش وسادة الألم ، ملتحفا بقطع الليل المظلم ، وهذه حسراتك تمر على القضبان، فيصدح منها صوت الأنين، شجي حزين، فتهيج لوعة الاشتياق، إلى الإخلاء من الأجداد والآباء، وأوطان الأحبة التي شرذمها أئمة الجور، وسلاطين الرذيلة والطلقاء.
يا كوكب الحق النابض، بنور الحقيقة الناصعة، وفي قاع الظلمة العارمة، و يا حبل الله الممدود، الواصل بجسر الخلود، سيبقى غيضك المكظوم يبحر في سجدتك الطويلة، وبركان ثورة يغلي، في قلب كل مظلوم، أساسها الصبر. وسيبقى سم الغدر الذي سقوك منه، سهم في قلب الإنسانية، تنبذه الضمائر الحية، مدى الدهر.
ها هو صوت الإيمان، يؤم جدران السجون، لتلتحق بها القضبان، وتكبير صوت السلاسل، يرتفع مع صوت كل آذان، وتهليل هيبة السكون، وتسبيح جنح الظلام، وخشوع قلب السجان، وقرون تتوضأ بعنفوان، وهدوء أرهب من الطوفان، وتحميد المسجون ظلما، أعظم رسالة تبعث من إنسان.
السلام على الْمُضْطَهَدِ بِالظُّلْمِ، وَالْمَقْبُورِ بِالْجَوْرِ، وَالْمُعَذَّبِ في قَعْرِ السُّجُونِ، وَظُلَمِ الْمَطاميرِ ذِي السّاقِ الْمَرْضُوضِ بِحَلَقِ الْقُيُودِ، وَالْجِنازَةِ الْمُنادى عَلَيْها بِذُلِّ الاْسْتِخْفافِ، وَالْوارِدِ عَلى جَدِّهِ الْمُصْطَفى وَاَبيهِ الْمُرْتَضى وَاُمِّهِ سَيِّدَةِ النِّساءِ بِإرْث مَغْصُوب وَوَلاء مَسْلُوب وَاَمْر مَغْلُوب وَدَم مَطْلُوب وَسَمٍّ مَشْرُوب.