المكتب الخاص / النجف الاشرف
يمر قطار الذكرى، على سكة الحياة، ليتوقف في محطات الانسانية، فيسجل موقف وجداني، بحروف ملؤها الالم، ومدادها الدموع الحائرة، والاشواق التائهة، لم تزل تتحسس طريق الامل، تحبو على اشواك الشوق، لتسجل بدمائها مواقف الثبات، ويبقى المسير حتى اصبح مألوفا لدى القرون، واعتاشت على انينه الازمنة، تنهل من شكواه صباحا ومساء، ان فارقته يوما فذاك هو الظلام.
على ثرى البقيع تجري الدموع، من العيون الولائية، تسقي ظمأ الحب، بقطراتها الازلية، ثم تحتضن بجفونها مودتنا النقية، تناغي غربة الباقر، لوعات تجتاح القرون، وتخترق الظلام، تنادي بصرخة الخلاص، تصول الحرقة في القلب وتجول في النفوس، فتتوقد مرارة الفقد، لتمتد الى اعماق العروق، وعالم الذر، تأن بصوت خفي، يلامس مخبأ الروح، فيتردد صداه في ضمير الاجيال، امام الحق النقي، لم تزل امواجه المعرفية، تمر على سواحل الجود، كمرور الاكف الرحيمة، على رؤوس اليتامى، ولم تزل ذكرياته الاليمة، تحتضن نداءات جده الثورية، ولم تزل حسراته، تتمنى لو كانت خباء الحرائر المسبية، واهاته وقاءا لايتام لاذوا بالفلوات، مضى الباقر حثيثا نحو العلا، ليحلّق معه الالم ويتبعه المخلصون، وتلاحقه عيون المحبين، فيقيموا على اثاره صروح المجد، يقتبسون من نوره الضياء المحمدي، لينير ظلمة القلوب، على مدى الازمنة الغابرة، ويبقى شعاعه البهي، يوصل الماضي السحيق بفجر العدل المشرق، ليمضي امر الله سبحانه، ويورث الارض لعباده المستضعفين.
على خطى الاشياخ، سار ادعيائهم، جاءوا ليبعثوا الجهل، وينحروا الهدى، في بلاط التسلط، جاءوا ليدفنوا القرآن في صحراء غيهم، ويمحوا اثاره برمال غلظتهم، فتبت اياديهم كما تب أسلافهم، ولن تغني عنهم أحقادهم، مزقوا اكباد العترة، من سموم بغضهم، فاصبحوا عبيدا لشيطانهم، غارقون في وحل الرذيلة، دأبهم إيقاظ الفتن، ارتدوا رداء ابليس، واستطعموا طعامه وسقوا من شرابه فتشابهوا بصورته، فاصبحوا سهامه المغروسة بنحور الايمان، انهم قوم سوء ضالين، اشتروا الضلالة بالهدى، قطعوا حبل المودة، وبخسوا حق السماء، طلقاء ديدنهم الغدر، على نهج ابليس، وجوههم مظلمة، تعدوا حدود الله، اذوا الانبياء، لهم بالنمرود وفرعون اسوة، احرقوا قلب النبي، ذبيح هنا ومسموم هناك، حزوا نحور الآيات في الفلوات، اراقوا الدماء الحرة، سبوا الطهر المخدرات، سحقوا الرياحين الفلذات، سنوا سنة السوء فاتبعهم الارذلون، وحوش تنقلوا عبر الزمن، وتقلبوا بين اصلاب الفتن، وارحام الموبقات، ذئاب تنهش الحياة، بمخالب الالحاد، سالكين في مسار الحقد، مثابتهم بغض العترة، جبابرة تذللوا للشيطان، يمكرون ويمكر الله، ويبقى الباقر راية حق ترفرف في السماء.