المكتب الخاص / النجف الاشرف
مهاجر في سبيل الله، بسفينة بحرها القرآن، يطوي الذكريات، يقطع مسافات الصبر، يسيح في عالم ملكوتي، وسفارة ربانية، هاجر ليغرق في حب العترة، لاجئا للفردوس الاعظم، سفير الحياة والانسانية، يقلّب السهول والوديان، بخطوات نورانية، يحمل رسالة السلام، ويقين الايمان، جاء ليعلن اشراقة الشمس، من ثنايا كربلاء، وليتنفس بها صبح الاجيال، مضى حاملا فكر الثورة، وينادي بصوت المستضعفين، اتى مكبرا باسم الطف، ومؤذنا ليوم الفداء، مرتديا إحرام العز، ملبيا دعوة الكرامة، وقف في يوم الغربة، وحيدا يعادل الالوف، بمقياس الاباء، ومن حوله حشود الغادرين، صوبوا نحوه سهام النكث، ومشاعل البغض، وادمته خناجر الغدر، فلم يزل شامخا لن ينثني، فاحتاروا لأمره، اهو جبل اشم؟ ام شبل هاشمي؟ اعتلى منبر الكبرياء، اعواده الحقيقة، متوضئا بالدماء، مذكرا بتقوى الله، مناديا بصوت الانبياء، صادحا باللسان المحمدي، والهجير العلوي ،هلم لنصرة الحق خليفة السماء.
في شهر الحجيج، سعى السفير لكوفان، بإحرام نقي ابيض، نسجت خيوطه من ثقة المعصوم ،هرول اخ الحسين، بين صفاء المودة ومروءة الوفاء، بإحرام التلبية ودعوة السبط، يرمي حسراته جمرات، على قوم نكثوا العهود، يطوف بين الصبر وحبس النصر، ملبيا دعوة الحق، يسعى حائرا بين الغربة والغدر، ثم ارتقى حطام الامارة، ليعلن بزوغ الحضارة، حضارة كربلاء، من نحره المنحور، فتدفقت دمائه الحمراء، ليمتد شفقها وتنبئ بعاشوراء، يحدوها الشوق، الى موضع طبرة سيد الاوصياء ،فامتزجت الوانه، مع خضيب الشيب و نزيف الهامة ، فرسمت الخط الطهور، على ثرى الدهور، ولتعلن دولة القداسة، في كوفان مدى الزمان.
قطعوا رأسه الشريف، ليبقى شمسا مشرقة، تنير اقطار الكوفة، رموا بجسده الطاهر، ليتصدع من ثقل ايمانه قصر الضلالة، سحبوا جسده في الازقة، لتبقى اشلائه علامات الولاء، تستدل بها الاجيال، منعوا عنه الماء، ليبقى العطش عنوان الثورة الانساني، قطعوا عليه سبل الطريق، لتعبّد دماؤه درب الهدى الحسيني، رموه بمشاعل القصب، ليكون الالم درع الامل، انكروا حقه بالحياة ليحيا الوفاء بمماته.
سيبقى مسلم وهانئ سراجان لن ينطفئا في الحضارة الكربلائية، وستبقى قبابهما العالية كأنها اكف الحسين مرفوعة الى السماء، وما بينهما صوت ينادي والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل،ستبقى ارواحهما النقية رايات ترفرف في فسيح الفردوس فيتبسم لها ثغر الكوثر ويعانقها روح الجنان.
لم يزل حب مسلم وهاني اماني ترتع في بحبوحة الاذان، ولم يزل قلبيهما ينبضان في عروق المسجد، ولم تزل جراحهم حية بلسمها الانتظار، ولم يزل نداء السفير الخالد يصبغ الدموع ويعانق الضمير لقد خانت بنا رعايانا.