الرئيسية | | من وحي الذكرى | أصحاب المعصومين (عليهم السلام)

أصحاب المعصومين (عليهم السلام)

عدد القراءات : 20647

أصحاب المعصومين (عليهم السلام)

          اذ قد يخطر في الذهن السؤال، عما اذا كان أصحاب المعصومين رضوان الله عليهم، وبعض الخاصة من أقاربهم، كالعباس بن علي ومسلم بن عقيل وحبيب بن مظاهر الأسدي وأضرابهم، ايضاً  يمكن حمل أقوالهم وأفعالهم على الصحة والحكمة كالمعصومين (سلام الله عليهم) مع أنه لا ملازمة في ذلك. للاحتمال الراجح بل المتعين أن للعصمة دخلاً في الإلهام والتوجيه لهم (عليهم السلام)، وهي غير متوفرة في أصحابهم عليهم الرضوان. فلا يكون الدليل السابق شاملاً لهم. فإن كانت النتيجة صحيحة، أعني مطابقة أعمالهم للحكمة، فلا بد أن يكون ذلك بدليل آخر، لا بنفس الدليل السابق.

وجواب ذلك : أن الدليل على ذلك متوفر في عدد من خاصة أصحاب الأئمة سلام الله عليهم وذلك لعدة وجوه:

الوجه الأول : أن مثل هؤلاء الخاصة معصومون بالعصمة غير الواجبة، كما أن الأئمة معصومون بالعصمة الواجبة، فإن العصمة على قسمين :-

القسم الأول: العصمة الواجبة، وهي التي دل الدليل العقلي على ثبوتها بالضرورة للأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام. كما هو مبحوث في العقائد الإسلامية. وهذه المرتبة عطاء من قبل الله إليهم، لا ينالها غيرهم ولا يمكن أن يكون الدليل عليها دليلاً على غيرهم أيضاً.

القسم الثاني العصمة غير الواجبة، وهي مرتبة عالية جداً من العدالة، والانصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه، بحيث يكون احتمال صدور الذنب عن الفرد المتصف بها نادراً أو منعدماً، لمدى الملكة الراسخة لديه والقوة المانعة عن الذنوب فيه.

وفكرتها نفس الفكرة السابقة لأن معناها واحد من الناحية المنطقية، إلا انها تفرق عنها ببعض الفروق:

أولاً: عدم شمول البرهان على العصمة الواجبة للعصمة الأخرى.

ثانيا : عدم شمول العصمة الواجبة للخطأ و النسيان بخلاف الأخرى.

ثالثاً: ملازمة العصمة الواجبة مع درجة عالية من العلم، بخلاف الأخرى فإنها قد تحصل لغير العالم كما تحصل للعالم.

رابعاً : انحصار عدد أفراد المعصومين بالعصمة الواجبة بالأنبياء والأوصياء. وأما العصمة الأخرى فبابها مفتوح لكل البشر في أن يسيروا في مقدماتها وأسبابها حتى ينالوها، وليست الرحمة الإلهية خاصة بقوم دون قوم.

إذا عرفنا ذلك،أمكننا القول بكل تأكيد : أن عدداً من أصحاب الأئمة عليهم السلام معصومون بالعصمة غير الواجبة هذه. ومعه يتعين حمل أقوالهم وأفعالهم على العصمة والحكمة، شأنهم في ذلك شأن أي معصوم.

الوجه الثاني : أن أمثال هؤلاء الأصحاب والمقربين للأئمة عليهم السلام، قد ربّاهم المعصومون عليهم السلام، وكانوا تحت رعايتهم وتوجيههم وأمرهم ونهيهم ردحاً طويلاً من الزمن، إلى حد يستطاع القول انهم فهموا الاتجاه المعمق والارتكازية – لو صح التعبير-  للمعصومين سلام الله عليهم.  ومن هنا كان باستطاعتهم ان يطبقوا هذا الاتجاه في كل أقوالهم وأفعالهم.

كما يستطاع القول : أن الأصحاب رضوان الله عليهم تلقوا من الأئمة (عليهم السلام) توجيهات وقواعد عامة في السلوك والتصرف أكثر مما هو معلن بين الناس بكثير. بحيث استطاعوا ان يطبقوا هذه القواعد طيلة حياتهم.

الوجه الثالث : أن هؤلاء من خاصة الأصحاب هم من الراسخين في العلم، وقد أصبحوا كذلك لكثرة ما سمعوا ورووا عن المعصومين (ع) ابتداء بالنبي (ص) وانتهاء بالأئمة عليهم السلام، من حقائق الشريعة ودقائقها وأفكارها.

وقد يخطر في البال : أن عنوان (الراسخون في العلم) خاص بقسم من الناس ولا يمكن أن يشمل قسماً آخر. فهو خاص اما بالأئمة المعصومين عليهم السلام أو بمن هو معصوم بالعصمة الواجبة بما فيهم الأنبياء (عليهم السلام) . وأما شمول هذا العنوان لغيرهم فهو محل اشكال. وخاصة بعد ان ورد في بعض الروايات   تفسيره بأحد هذين المعنيين.

وجوابه : أن أخص الناس ممن يمكن اتصافه بهذه الصفة هم المعصومون عامة والأئمة خاصة، وهم القدر المتيقن من هذا العنوان، أعني الراسخين في العلم. وهم فعلاً كذلك . ولا يمكن أن يضاهيهم بدرجتهم أحد. ومن هنا ورد التفسير في ذلك  الا أن هذا لا ينافي أن يكون الباب مفتوحاً لكثرين في أن

يتصفوا بهذه الصفة. بعد ان يصلوا إلى درجات عالية من طهارة النفس والإخلاص واليقين. وان اهم وأخص من يمكن ان يتصف بذلك هم أصحاب الأئمة عليهم السلام. ممن تربوا على أيديهم وانصاعوا إلى توجيهاتهم.

فإذا تم لنا ذلك أمكننا أن نعقب عليه ما يتصف به الراسخون بالعلم من مزايا وصفات تفوق غيرهم بما لا يقاس ولا يعرفه الناس بما فيه الاطلاع على مراتب من تفسير وتأويل القرآن الكريم. وكذلك الاطلاع على كثير من واقعيات الأمور التي لا يعرفها الا الخاصة من الخلق. وانما نحن نعترض ونستشكل لمدى جهلنا بهذه المراتب العليا ولمدى قصورنا وتقصيرنا لا اكثر ولا أقل.

الوجه الرابع : إن هؤلاء من خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام من (المقرّبين).بعد أن نلتفت ان (سورة الواقعة) من القران الكريم قسمت البشر إلى ثلاثة أقسام لا تزيد و لا تنقص هم :

أولاً : أصحاب الشمال أو أصحاب  المشئمة وهم أصحاب النار هم فيها خالدون.

ثانياً : أصحاب اليمين .

ثالثاً:  المقربون  .

 

 اذن فالأخيار من الناس، غير (أصحاب الشمال) على قسمين : أصحاب يمين ومقربون. وهذان القسمان يختلفان كثيراً في الدرجات عند الله سبحانه إلى

حد يستطاع القول : أن العوالم التي يعيشونها في الجنان بعد هذه الحياة ليس من جنس واحد بل هي من جنسين مختلفين تماما. و لا يمكن ايضاح تفاصيله في هذه العجالة . يكفي ان نشير إلى ان الجنة الموصوفة في ظاهر القرآن الكريم والتي يطمع بها سائر الناس انما هي جنة أصحاب اليمين. وأما جنات المقربين فهي شيء آخر ومن جنس مختلف لا يشبه ذاك على الأطلاق.

وينبغي الالتفات إلى ان الباب بالرحمة الإلهية مفتوح لكل أحد في ان يصبح من أصحاب اليمين أو المقربين، بمقدار ما أدى من عمل وبمقدار ما يطيق من قواه العقلية والنفسية والروحية ونحو ذلك من الأمور.

فإذا تم لنا ذلك أمكننا بكل تأكيد أن نقول: ان خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام. هم فعلاً من المقربين وليسوا فقط من اصحاب اليمين.

ومن كان من المقربين كان من المهمين المسددّين من قبل الله سبحانه جزماً بنص القرآن .ومثاله نزول الوحي على مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون وأم موسى  والعبد الصالح وكلهم ليسوا من الأنبياء ولا المرسلين.

واذا ثبت كون خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام ، الراسخين في العلم ومن المقربين، فلا عجب في اتصافهم بأوصاف تفوق غيرهم بمراتب مثل قوله (ص) : ((سلمان منا أهل البيت)) وقوله (( ما أقلت الغبراء وما أضلت الخضراء ذي لهجة أصدق من أبي ذر))

وما ورد من أن حذيفةوميثم التّماروحبيب بن مظاهر كان لديهم علوم خاصة قد نسميها: علم المنايا والبلايا أو علم ما كان وما يكون أو علم الجفر ونحو ذلك. ومثله ما ورد : أن علياً عليه السلام قال لأبنه العباس عليه السلام وهو صغير: ((قل واحد. فقال : واحد، فقال له قل اثنين. فرفض)) لأنه (عليه السلام) يجد الوجود الإلهي والنور الإلهي هو الواحد الأحد، ولا شيء غيره . اذن فلا يوجد أثنان ليقول : اثنين. وهذا كان ثابتاً له في صغره فكيف يصبح وماذا ينال من مدارج اليقين في كبره؟. إلى غير ذلك من الروايات.

الوجه الخامس : أن التصرفات المهمة التي ترتبط بالمصالح العامة وبالحكمة الإلهية في تدبير المجتمع وتسبيب أسبابه، هي دائماً محل عناية الله سبحانه وتدبيره، وكل شيء يتوقف على ذلك فهو حاصل لا محالة بقدرة الله سبحانه، وكل مانع يمنع عنه فهو منتف بقدرته أيضاً. لكن مع حفظ ظاهر الأسباب والمسببات المعهودة بطبيعة الحال. والمقصود صدق ما ورد من ((ان لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله جل جلاله)) . وأن الأمور تسير كنظام الخرز يتبع بعضها بعضاً. الأمر الذي ينتج أن ما يريده الله سبحانه في البشر حاصل لا محالة. و لا يستطيع أحد على الأطلاق تغييره.

وأن خطر في ذهنه كونه مؤثراً أو فاعلاً لشيء من الأشياء قلّ أو كثر من هذه الجهة أو أي جهة أخرى.

 

فاذا تم لنا ذلك : أمكننا القول بأن تصرفات الأئمة سلام الله عليهم وأصحابهم لا شك مندرجة في هذا النظام الإلهي العام. ومؤثرة في سير التاريخ البشري عامة والإسلامي خاصة. وحيث عرفنا ان كل ما يريده الله سبحانه في هذا التاريخ فإنه لا بد من حدوثه، يعني حتى لو توقف على أي سبب خارق للطبيعة. ومن المستطاع القول عندئذ إن الالهام والتوجيه الإلهيين لهؤلاء ضروري في هذه المرحلة من التاريخ. بل في كل مرحلة منه، بل ليس من الضروري في الفرد أن يعلم كونه موجهاً ومسدداً من قبل الله سبحانه، بل قد يكون كذلك من حيث لا يعلم لمدى أهمية تأثيره في المصالح العامة والتاريخ الإسلامي أو العالم.

و لاشك أننا نستطع ابراز بعض النقاط لأصحاب الأئمة عليهم السلام، لإيضاح مدى تأثير أعمالهم وأقوالهم في التاريخ القريب والبعيد:

النقطة الأولى : كونهم منسوبين إلى الأئمة عليهم السلام مع أن تأثير الأئمة أنفسهم في التاريخ أوضح من أي يخفى وقد يكون ذلك عن طريق أصحابهم . بل كثيراً ما يكون ذلك.

النقطة الثانية : كون الدين الإسلامي في صدر الإسلام  كان محصوراً في منطقة محدودة وغير منتشر في بقاع عديدة من العالم مما بلغه بعد ذلك.

النقطة الثالثة : قوة الأعداء المتربصين بالدين وأهل الدين بالمكر والحيلة والغيلة، من الداخل ومن الخارج على السواء .

 النقطة الرابعة : الأعداد لظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان فإن نجاح حركته اذ يريد أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وكما هي وضيفته الإلهية في ذلك .

أقول : نجاحها يتوقف على أسباب وتلك الأسباب ينبغي أن يعدها الله قبله. وهو جل جلاله فاعل ذلك لا محالة. لأن ظهور المهدي عليه السلام وعد والله لا يخلف الميعاد.

وقد يخطر في الذهن : أنه يكفي الإعداد للظهور في العشر السنوات الأخيرة السابقة عليه في علم الله سبحانه. قلنا : كلا، فإن الحال في هذه العشر سنوات ايضاً تحتاج إلى سبب وسببه يحصل في العشر السنوات التي قبلها . وهكذا إلى أن يصل إلى عصر صدر الإسلام، ويتصل بالأئمة المعصومين عليهم السلام وأصحابهم. بل يتصل بما قبل الإسلام منذ نزول آدم عليه السلام فما بعده، لأن ذلك كله نظام واحد متصل ومتسلسل يتبع بعضه بعضاً في الحكمة الإلهية كنظام الخرز.

الوجه السادس : ان ما ذكرناه من الوجوه السابقة قد يناقش في عمومها لكل أصحاب الأئمة أو قل: لكل تصرفاتهم. وإن كان الوضع السابق يجعلها شاملة على أي حال. ولكن المقصود الآن . إن بعض التصرفات من بعض

 

أصحابهم غير الخاصة منهم، يمكن ان تكون على خطأ أو قابلة للمناقشة بشكل وآخر. وليس بالضرورة ان تكون الأقوال والأفعال والتصرفات الموجودة في ذلك الحين، ضرورية الحمل على الصحة. ويكون التاريخ مسؤولاً عن تصحيحها . بل يمكن نقدها واعتبارها باطلاً فعلاً، وتحميل مسؤوليتها على أصحابها. سواء اعتبرناهم معذورين فعلاً عنها غفلة أو جهلاً او غير معذورين باعتبار التفاتهم اليها وتعمدهم لها. وهذا يكون موكولاً إلى الباحث التاريخي ولا حاجة الآن إلى تسمية احد بهذا الصدد. 

المزيد في من وحي الذكرى
قمرٌ في ظلمة الطف، طاف نوره قبل الأوان، بازغ حتى في عرجونه، وفيٌّ في زمن الغدر والخذلان، يشع نوراً من هدى الإمامة، ويدور شوقاً في
المكتب الخاص / النجف الاشرف يمر الزمن وتمضي القرون والعقود ، وتنكث البيعة هنا وهناك تنقض العهود ، وغدرة الحقد بسوط السموم، واخرى ببغض الضربة عند
المكتب الخاص / النجف الاشرف دنا القضاء واقترب القدر، وتلوح في الافق ظلامة، ، تنبع من أقاصي الجاهلية ، ومن كهوف الكفر، وغيوم السواد عادت لتغطي
المكتب الخاص / النجف الاشرف بين الصمت والصخب ، شوق في حشاشة القلب يتأجج ، وعيون الصبر معتبرة ، وفي رمضاء اليأس مع الاحلام نتوسد ،
المكتب الخاص / النجف الاشرف من شعبان المودة، فاحت نسائم الانتظار، وتفتحت أزاهير الصبر، لتملأ الوجود عبقا، ليلة غمرتها السعادة، وطافت بأمواجها الافراح، ليلة كالبحر، يجري
المكتب الخاص / النجف الاشرف عطشت الحياة لكوثر ، فراحت تغدو بلهفة ، على الوديان ، تجر بحافرها اليأس ، فلا وصال يرتجى ، ولا حِسان